مجتمع وحوداث

سلسلة مغرب الحضارة.. كم هي قاسية هذه الليبرالية اللاإنسانية

عزيز رباح

في عالم اليوم، لم يعد التفاوت مجرد اختلاف طبيعي بين المجتمعات، بل أصبح فجوة حادة بين الوفرة والحرمان. عالم ينتج ما يكفي لإطعام الجميع، لكنه يترك الملايين في مواجهة الجوع والعراء. وبين ناطحات السحاب ومخيمات التشرد، وبين أسواق الرفاه وأحياء البؤس، تتكشف صورة نظام اقتصادي يثير أسئلة عميقة حول العدالة والإنسانية ومعنى التقدم نفسه.

 

في بعض المناطق الفقيرة من هايتي، لا يعود الجوع مجرد نقص في الغذاء، بل يتحول إلى سقوط إنساني قاسٍ، حيث يضطر بعض الناس إلى ما يُعرف محليًا بـ«غالييت دو تير»، وهي أقراص من الطين تُخلط بقليل من الملح والسمن النباتي ثم تُجفف تحت الشمس. ليست طعامًا، بل آخر ما تبقى حين ينهار كل شيء.

 

ورغم ذلك، تمتلك هايتي موارد وإمكانات تشمل معادن مثل النحاس والذهب والبوكسيت والحديد، وإمكانات زراعية مهمة كالبن والمانغو وقصب السكر والكاكاو، إضافة إلى ثروة بحرية وسياحية واعدة، لكنها تبقى معطّلة أو مستغلة بشكل ضعيف.

 

هذه ليست حالة معزولة، بل صورة لعالم غير متوازن. اليوم، أكثر من 735 مليون إنسان يعيشون الجوع المزمن، وأكثر من 700 مليون تحت خط الفقر المدقع، في عالم يُنتج ما يكفي لإطعام الجميع، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في العدالة والتوزيع.

 

وفي المقابل، يُهدر حوالي 1.3 مليار طن من الغذاء سنويًا، أي ما يقارب ثلث الإنتاج العالمي، بينما تُرمى كميات ضخمة من الطعام الصالح، في وقت تُترك فيه شعوب كاملة تواجه الجوع بلا حول ولا قوة.

 

والأكثر إيلامًا أن الثروة تتكدس بشكل غير مسبوق، حيث يمتلك أغنى 1% من سكان العالم أكثر من 45% من الثروة العالمية، بينما تتسع الفجوة بشكل مهول بين من يملكون كل شيء ومن لا يملكون حتى الحد الأدنى من شروط العيش الكريم.

 

وفي نفس الوقت، تُصرف تريليونات الدولارات عالميًا على الترف والاستهلاك المفرط: السلع الفاخرة، السفر الراقي، الساعات والمجوهرات، وأنماط العيش المترف، في وقت يعاني فيه ملايين البشر من الجوع والهشاشة، وكأن الإنسان خارج الحسابات الاقتصادية.

 

وحتى داخل الدول الغنية والمتقدمة، تظهر مفارقة قاسية: مئات الآلاف، بل ملايين الأشخاص، يعيشون في العراء أو في سكن هش، في مدن تُبهر العالم بناطحات السحاب والتكنولوجيا والرفاه، بينما تمتد مخيمات التشرد في الشوارع خلف واجهات الازدهار اللامع.

 

كما تُسجَّل حالات وفاة مرتبطة بالجوع أو سوء التغذية أو الفقر حتى في دول متقدمة، في مشهد يفضح أن الأزمة ليست في نقص الموارد، بل في اختلال توزيعها وتدبيرها.

 

والأخطر أن هذا الفقر لم يعد محصورًا في الغذاء، بل أصبح فقرًا متعدد الأبعاد: فقر التعليم، والصحة، والسكن، والفرص، وحتى فقر الكرامة، في عالم تتسع فيه الفوارق بشكل غير مسبوق.

 

كما أن ظواهر مثل الهجرة السرية، والتشرد، والعنف، والمخدرات، وحتى بعض أشكال التطرف، لا يمكن فهمها بمعزل عن انسداد الأفق أمام فئات واسعة من الشباب الذين فقدوا الثقة في المستقبل.

 

وهكذا تتجلى الليبرالية اللاإنسانية في أقسى تناقضاتها: عالم يصنع الثروة بكثافة… لكنه يترك جزءًا كبيرًا من البشر خارج الكرامة.

 

إنها ليست أزمة ندرة، بل أزمة نظام اقتصادي يعيد إنتاج التفاوت: يجمع الثروة في الأعلى، ويُنتج الفقر في الأسفل، ويحوّل المعاناة إلى مشهد “عادي” في عالم يدّعي التقدم.

 

اليوم، الاقتصاد في حاجة إلى ثورة حقيقية، يكون فيها الإنسان هو المركز. ثورة تعيد التوازن بين خلق الثروة وعدالة توزيعها، بين النمو الاقتصادي وكرامة الإنسان، وبين حرية السوق ومسؤولية الدولة في حماية الفئات الهشة.

 

وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من تجارب دول تقدمت اقتصاديًا ونجحت في خلق الثروة ورفع عدد الأغنياء، لكنها في الوقت نفسه استطاعت تقليص الفقر عبر سياسات عمومية قوية، تقوم على التعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية، وربط النمو الاقتصادي بالعدالة الاجتماعية بدل تركه رهينة منطق السوق وحده، يعيث فيه الجشعون غلاء واحتكارا.

 

إن أخطر ما يواجه الدول ليس الفقر وحده، بل التعايش معه وكأنه أمر طبيعي داخل عالم غني. لذلك، يظل التحدي الحقيقي هو إعادة الاعتبار للإنسان كغاية أولى وأخيرة داخل أي نموذج اقتصادي، قبل أي رقم أو مؤشر أو ربح.