قضايا

قضية محمد مبديع.. من الفساد التقليدي إلى الفساد التدبيري إلى تهديد المسار الديمقراطي

محمد براو (باحث وخبير دولي في الحكامة)
أعاد الحكم القضائي الصادر في حق محمد مبديع، والقاضي بسجنه 13 سنة نافذة في ملف يتعلق بتبديد أموال عمومية واستغلال النفوذ والارتشاء والتزوير، طرح سؤال سياسي ومؤسساتي عميق يتجاوز شخص المتابع أو تفاصيل القضية، ليمس طبيعة العلاقة بين الفساد والسلطة المحلية والنخب الحزبية في المغرب، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة وما تفرضه من نقاش حول تجديد النخب السياسية وحماية المسار الديمقراطي من اختراق شبكات المال والنفوذ.

وتأتي هذه القضية في سياق وطني يتسم بتصاعد جهود الدولة في مكافحة الفساد وتطهير المؤسسات العمومية والمنتخبة من شبكات الريع والفساد السياسي والإداري والمالي، وهي الجهود التي تحظى بدعم واضح من الملك محمد السادس، الذي ما فتئ يؤكد في عدد من الخطب والتوجيهات الملكية على ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتخليق الحياة العامة، وتعزيز الثقة في المؤسسات. وقد تجسدت هذه الإرادة في السنوات الأخيرة من خلال تحريك عدد من الملفات القضائية المرتبطة بجرائم الأموال والرشوة وتبديد المال العام واستغلال النفوذ، وهو ما أدى إلى متابعة واعتقال عدد من المنتخبين والمسؤولين والبرلمانيين المنتمين إلى أحزاب سياسية مختلفة، بما يعكس توجهاً متزايداً نحو عدم ربط مكافحة الفساد باعتبارات حزبية أو سياسية ضيقة، بل باعتبارها قضية دولة ومؤسسات.

كما أظهرت هذه المتابعات أن بعض شبكات الفساد لم تعد تقتصر على جرائم المال العام فقط، بل امتدت في بعض الحالات إلى ملفات الاتجار في المخدرات واستغلال النفوذ وتوظيف المواقع الانتخابية لحماية مصالح غير مشروعة. وهو ما كشف عن وجود اختراقات حقيقية لبعض الأحزاب والمؤسسات المنتخبة من طرف شبكات مالية وانتخابية استطاعت، عبر سنوات، استعمال العمل السياسي كغطاء للنفوذ الاقتصادي والزبوني، بما يشكل تهديداً مباشراً لمصداقية العملية الديمقراطية ولمفهوم التمثيلية السياسية.

وفي هذا السياق، تكتسب قضية محمد مبديع دلالة خاصة، لأنها لا تتعلق فقط بمسؤول سياسي سابق واجه اتهامات جنائية مرتبطة بتدبير المال العام، بل تكشف عن تحول عميق في مفهوم الفساد السياسي بالمغرب، حيث لم يعد الأمر مقتصراً على صور الاختلاس التقليدي أو الرشوة المباشرة، بل أصبح يرتبط أيضاً بما يمكن تسميته بـ”الفساد التدبيري”، أي توظيف آليات التدبير العمومي والصفقات والقرارات الإدارية لإنتاج أشكال معقدة من هدر المال العام وإعادة توزيع النفوذ والمصالح داخل شبكات سياسية واقتصادية مترابطة.

لقد أظهرت المعطيات المرتبطة بالملف اتهامات تتعلق بالتلاعب في الصفقات العمومية، والنفخ في الفواتير، وأداء مستحقات مقابل أشغال غير منجزة، وتوجيه صفقات نحو شركات ومكاتب دراسات بعينها. وهي معطيات تعكس، في جوهرها، طبيعة الفساد الذي يتغلغل داخل بعض آليات التدبير المحلي، حيث تتحول الجماعات الترابية أحياناً إلى فضاءات لإعادة إنتاج الريع السياسي والاقتصادي بدل أن تكون أدوات لتحقيق التنمية المحلية وخدمة المواطنين.

غير أن الأهمية القانونية والسياسية للقضية لا تكمن فقط في الوقائع موضوع المتابعة، بل أيضاً في طبيعة التكييف الجنائي المعتمد فيها. فالمتابعة ارتكزت أساساً على جريمة “تبديد الأموال العمومية”، وهي جريمة تختلف عن الاختلاس من حيث البنية القانونية والإثبات. فالتبديد لا يفترض دائماً وجود استيلاء مباشر على المال العام لفائدة شخصية، بل قد يتحقق أيضاً من خلال صرف الأموال العمومية بطريقة مخالفة للقانون أو فاقدة للنجاعة أو موجَّهة نحو أهداف غير مشروعة أو غير مبررة.

غير أن ملف محمد مبديع لا يقف عند حدود الجدل المرتبط بسوء التدبير أو التبديد فقط، لأن القضية تضمنت أيضاً جرائم موصوفة ذات طبيعة جنائية واضحة، من بينها الارتشاء والتزوير في وثائق عرفية وتجارية ورسمية، وهي أفعال لا يمكن اختزالها في مجرد أخطاء إدارية أو اختلالات تدبيرية. فإثبات جرائم من هذا النوع يكشف عن وجود ممارسات تتجاوز حدود سوء التقدير الإداري إلى أفعال تمس بشكل مباشر نزاهة الوظيفة العمومية ومصداقية المعاملات والصفقات العمومية، بما يجعل القضية أقرب إلى نموذج مركب يجمع بين الفساد التدبيري والفساد الجنائي الكلاسيكي.

ومن هنا برز الإشكال المركزي الذي رافق المحاكمة: هل يتعلق الأمر فقط باختلالات في التدبير العمومي، أم بمنظومة متكاملة استُخدمت فيها آليات التدبير والصفقات والنفوذ الإداري لإنتاج ممارسات ذات طبيعة إجرامية؟

لقد تمسك دفاع مبديع بكون جزء من الوقائع موضوع الملف يرتبط باختلالات تدبيرية مرتبطة بتسيير الجماعة والصفقات العمومية، وأنها لا ترقى وحدها إلى مستوى الجريمة الجنائية في غياب إثبات القصد الجنائي بشأن بعض الأفعال المرتبطة بالتبديد. غير أن التطور الذي عرفه القضاء المالي والجنائي بالمغرب يعكس اتجاهاً متزايداً نحو توسيع مفهوم حماية المال العام، بحيث لم يعد التركيز مقتصراً فقط على إثبات الاختلاس المباشر، بل أصبح يشمل أيضاً تحليل سلوك التدبير نفسه ومدى احترام قواعد الحكامة والشفافية والنجاعة في الإنفاق العمومي.

وبهذا المعنى، يمكن أن يتحول التبديد إلى جريمة جنائية عندما يقترن بعناصر تدل على وجود نية إجرامية، مثل التواطؤ في الصفقات، أو تجاهل تقارير الرقابة، أو الاستمرار في صرف المال العام رغم العلم بعدم مشروعية العمليات أو غياب الإنجاز الفعلي. أما عندما يغيب إثبات هذه النية، فقد يبقى الأمر في حدود سوء التدبير أو المخالفة المالية والانضباطية. غير أن وجود جرائم موصوفة مثل الارتشاء والتزوير داخل نفس الملف يمنح القضية بعداً جنائياً أكثر وضوحاً، ويجعلها تتجاوز مجرد النقاش التقني حول حدود الخطأ التدبيري.

لكن الأبعاد الأخطر التي يكشفها ملف محمد مبديع تتجاوز الجانب القضائي، لأنها ترتبط بطبيعة النموذج السياسي المحلي الذي سمح، لسنوات طويلة، بتراكم النفوذ الانتخابي والإداري والمالي داخل شبكات حزبية ومحلية استطاعت التحكم في القرار العمومي وفي توزيع الصفقات والامتيازات. وهو ما جعل بعض الجماعات الترابية تتحول إلى مراكز نفوذ انتخابي واقتصادي، حيث تتداخل السلطة السياسية بالمصالح الخاصة وتضعف الحدود بين التدبير العمومي والزبونية السياسية.

وتزداد خطورة هذا الوضع مع اقتراب الانتخابات المقبلة، في ظل التخوف من استمرار قدرة شبكات الفساد السياسي والإداري والمالي على اختراق العملية الانتخابية وإعادة إنتاج نفس النخب التي ارتبطت بتدبير مشبوه للمال العام أو باستعمال النفوذ المحلي في بناء الولاءات الانتخابية. فعدد من قضايا المال العام التي تفجرت خلال السنوات الأخيرة أظهر أن بعض شبكات النفوذ لا تتحرك فقط بمنطق الاستفادة الاقتصادية، بل أيضاً بمنطق التحكم في الخريطة السياسية المحلية عبر توظيف المال والعلاقات الإدارية والزبونية الانتخابية.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لم يعد يقتصر على إصدار الأحكام القضائية أو متابعة المتورطين في قضايا المال العام، بل أصبح مرتبطاً بمدى قدرة الدولة والأحزاب والمؤسسات الرقابية على ضمان تجديد حقيقي للنخب السياسية، ومنع عودة نفس البنيات والشبكات التي ساهمت في إضعاف الثقة في المؤسسات المنتخبة وفي العمل السياسي.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التذكير بالإرادة الملكية في تخليق الحياة العامة باعتبارها ركيزة أساسية في معركة بناء نموذج سياسي ومؤسساتي جديد، عنوانه "الجدية" وقوامه الكفاءة والنزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما تعكس الدعوات الملكية المتكررة إلى تجديد النخب وإفراز كفاءات سياسية جديدة وعقلنة تدبير الشأن العام توجهاً واضحاً نحو القطع مع الممارسات التي أضرت بصورة المؤسسات المنتخبة وأضعفت ثقة المواطنين في العمل الحزبي والسياسي.

فلا يمكن الحديث عن انتخابات ذات مصداقية أو عن انتقال ديمقراطي فعلي في ظل استمرار تأثير المال والنفوذ الإداري وشبكات المصالح المحلية على العملية السياسية. كما أن تجديد النخب لا يمكن أن يتحقق فقط عبر تغيير الوجوه، بل يتطلب إعادة بناء قواعد الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي، حتى لا تتحول الانتخابات إلى مجرد آلية لإعادة إنتاج نفس أنماط التدبير التي ساهمت في تبديد المال العام وإضعاف التنمية المحلية.

إن قضية محمد مبديع تمثل، في هذا السياق، اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة المغربية على الانتقال من مرحلة التسامح مع فساد النخب إلى مرحلة المحاسبة وإعادة بناء الثقة في المؤسسات. كما تمثل رسالة سياسية وقانونية مفادها أن حماية المال العام لم تعد مرتبطة فقط بمحاربة الاختلاس والرشوة، بل أيضاً بمواجهة أنماط الفساد التدبيري التي تتخفى أحياناً خلف السلطة التقديرية والتسيير الإداري، لكنها تؤدي عملياً إلى نفس النتيجة: إهدار الموارد العمومية وإضعاف الثقة في الديمقراطية والمؤسسات المنتخبة.