سياسة واقتصاد

مثلث الرعب المغربي..

ميمونة الحاج داهي (تدوينة)

كان العالم، لسنوات طويلة، مفتونا بقصة مثلث برمودا؛ تلك البقعة البحرية التي قيل إنها تبتلع السفن والطائرات دون تفسير واضح، حتى تحول اسمها إلى مرادف للرعب والغموض والاختفاء المفاجئ.

لكن المغاربة اليوم لا يحتاجون إلى السفر نحو المحيط الأطلسي للبحث عن مثلث مرعب، لأنهم يعيشون داخل نسخة محلية أكثر وضوحا وأشد التصاقا بحياتهم اليومية؛ مثلث لا يبتلع الطائرات، بل يبتلع بالتدريج جودة العيش نفسها.

إنه مثلث السلطة والمال والغذاء.

هذا المثلث لم يتشكل في يوم واحد، بل تراكم عبر سنوات طويلة أصبح فيها قطاع حيوي مثل الفلاحة والصيد البحري مرتبطا باسم سياسي واحد، هو عزيز أخنوش، الذي أمضى ما يقارب تسعة عشر عاما مشرفا على القطاع، خمس سنوات منها رئيسا للحكومة.

وحين يجتمع النفوذ الاقتصادي مع القرار السياسي ومع التحكم في قطاع يمس المائدة المغربية مباشرة، يصبح من الطبيعي أن يتحول الأمر إلى موضوع نقاش عمومي واسع، خاصة في ظل الارتفاع المتواصل للأسعار.

المغاربة اليوم لا يشعرون فقط بأن الأسعار ارتفعت، بل يشعرون أن نمط حياتهم نفسه تغير، هناك فرق بين مجتمع يشتكي من الغلاء، ومجتمع بدأ يراجع مكونات مائدته يوما بعد يوم تحت ضغط السوق.

شيئا فشيئا، بدأت المائدة المغربية تفقد عناصر من تشكيلتها التقليدية.

اللحم لم يعد ضيفا عاديا على كثير من الموائد، بل أصبح مرتبطا بالمناسبات أو بالحسابات الدقيقة.

السمك، في بلد يطل على واجهتين بحريتين، يراقب الناس أسعاره بقلق كما لو كانت سلعة مستوردة نادرة، زيت الزيتون، الذي كان لعقود جزءا طبيعيا من تفاصيل البيت المغربي، دخل دائرة الاستهلاك الحذر.

حتى بعض الخضر الأساسية، التي كانت تمثل أبسط ما يمكن اقتناؤه، أصبحت تربك ميزانية الأسر، الفواكه تتجه نحو كهف "كان" للدخول في سبات طويل..

وهنا لا يتعلق الأمر فقط بالقدرة الشرائية، بل بانخفاض ملموس في جودة الحياة.

إذا أصبحت الأسرة منشغلة يوميا بكيفية تدبير الغذاء، فإن أول ما يتراجع هو الإحساس بالاستقرار والراحة.

المواطن الذي كان يفكر في تحسين تعليم أبنائه أو في الادخار أو في تطوير مستوى عيشه، أصبح يفكر أولا في كيفية عبور الأسبوع بأقل الخسائر داخل السوق.

وهذا التحول ليس بسيطا كما يبدو كما يعتقد البعض، لأن جودة الحياة لا يمكن قياسها فقط بالدخل، بل أيضا بالشعور الطبيعي بالأمان داخل التفاصيل اليومية.

إذا فقد المواطن علاقته العادية مع غذائه، ومع عاداته الاستهلاكية، ومع أطباقه التقليدية، يبدأ الإحساس العام بالتراجع حتى لو استمرت المؤشرات الرسمية في الحديث عن النمو والاستثمار.

الأمر ممتد إلى قطاعات أخرى تحت نفوذ نفس الشخصية السياسية و يفترض أنها تؤمن استقرار المجال القروي والموارد الطبيعية أيضا. فالعالم القروي اليوم يعيش، في مناطق واسعة، عزلة متزايدة رغم كل الوعود بالتنمية المجالية وفك العزلة، بينما كشفت سنوات الجفاف هشاشة حقيقية في تدبير قطاع الماء، حتى بدا واضحا أن الأمطار الأخيرة وحدها هي التي أخرت الإحساس الكامل بحجم الأزمة. أما قطاع المياه والغابات، فإن ملفات الاستغلال غير الممنهج للثروة الغابوية والجدل المتكرر حول تدبيرها، أصبحت بدورها شاهدة على اختلالات عميقة في طريقة إدارة موارد يفترض أنها تمثل ضمانة استراتيجية للمستقبل.. 

المغرب لم يقدم نفسه يوما كبلد فقير غذائيا، بل على العكس، ظل الخطاب الرسمي يتحدث عن المخططات الفلاحية الكبرى، وعن تحديث القطاع، وعن وفرة الإنتاج، وعن تنمية الصادرات.

لكن المواطن البسيط لا يرى نجاح الفلاحة بحجم الأطنان المصدرة، بل بقدرته على شراء ما تنتجه بلاده دون قلق يومي.

ومن هنا بدأ يتشكل هذا الإحساس الجماعي بوجود خلل عميق في المعادلة.

فالمغاربة يرون أن قطاعا بهذه الحساسية ظل لسنوات طويلة تحت تدبير نفس النخبة السياسية والاقتصادية، بينما النتيجة داخل الأسواق كانت مزيدا من التوتر والغلاء واستنزاف القدرة الشرائية.

طبعا، لا يمكن اختزال الأزمة كلها في شخص أو حكومة فقط، فالعالم يعيش تحولات اقتصادية صعبة، وهناك الجفاف وارتفاع الأسعار الدولية وسلاسل التوريد والتضخم العالمي.

لكن وجود عوامل خارجية لا يلغي السؤال الداخلي الأساسي حول ماذا فعلت كل تلك السنوات من التدبير لحماية المائدة المغربية؟

لأن التقييم الحقيقي لأي سياسة فلاحية لا يكون فقط في التقارير والمؤتمرات، بل أيضا في ذلك السؤال البسيط الذي أصبح يتردد يوميا داخل البيوت المغربية،،

ماذا سنطبخ اليوم دون أن نستنزف ما تبقى من الميزانية؟..هنا تحديدا يظهر “مثلث الرعب” المغربي.

مثلث لا يبتلع الناس دفعة واحدة، بل يسحب من حياتهم تفاصيلها الصغيرة ؛ قطعة لحم حذفت من برنامج الأسبوع، سمك أصبح يحتاج جرأة لمساومته، زيت صار يحسب بالقطرات، ومائدة مغربية بدأت تفقد، شيئا فشيئا، ملامحها التي كانت تمنحها الدفء والبساطة والكرامة..المائدة التي تعكس عراقة و كرم هذا البلد المحكوم من عنق الغذاء بقبضة السلطة و المال في يد شخصية واحدة..