أشياء كثيرة حدثت مع هذه الحكومة.. لدرجة أن المؤرخ سيحتاج إلى طبيب نفسي قبل أن يكتب عنها.. فهي ليست حكومة بالمعنى السياسي للكلمة، بل مسلسل تركي طويل.. حلقاته كثيرة، ودموعه أكثر، ونهايته دائماً تؤجل إلى الموسم القادم.
الفرق الوحيد أن أبطال المسلسلات التركية يبحثون عن الحب.. أما نحن فنبحث عن خروف.
في هذا الوطن، لم تعد السياسة تُقاس بعدد المشاريع ولا بحجم الإصلاحات.. بل بعدد “الفراقشية” الذين ظهروا فجأة كما يظهر الجن في الحكايات الشعبية.. حتى اللغة المغربية أصابها التضخم.. صار عندنا قاموس كامل للفشل.. “الشناقة”، “الفراقشية”، “الدعم”، “التحرير”.. ثم المصطلح العبقري الذي يلخص المرحلة كلها: “خَلِيـه إبَعْبـَع”.
يا لروعة هذا الشعار.. يصلح أن يكون برنامجاً حكومياً كاملاً.
المواطن يشتكي من الأسعار.. خَلِيـه إبَعْبـَع.
الخروف اختفى من الأسواق.. خَلِيـه إبَعْبـَع.
القدرة الشرائية ماتت سريرياً.. خَلِيـه إبَعْبـَع.
وإذا سألت عن الحل.. يخرج لك خبير اقتصادي من التلفاز بابتسامة موظف بنك ويقول لك بثقة: “الوضع تحت السيطرة”.. وكأننا في سويسرا ولسنا نطارد خروفاً في الأزقة.
نجحت الحكومة في تحقيق إنجاز تاريخي لم تستطع تحقيقه حتى هوليوود.. حولت عيد الأضحى من مناسبة دينية إلى فيلم أكشن جماعي.. المواطن يجري خلف الخروف، والخروف يجري خلف النجاة، والكساب يجري خلف الربح، والحكومة تجري فقط خلف الميكروفونات.
كتب جبرا إبراهيم جبرا رواية “البحث عن وليد مسعود”.. رواية عميقة عن الإنسان العربي وهو يبحث عن ذاته ووطنه ومعناه وسط الخراب.
أما نحن فقد طورنا الرواية العربية.. صرنا نبحث عن “الحولي بنصف الثمن”.
في رواية جبرا كان البطل يختفي في ظروف غامضة.. أما عندنا فالذي اختفى هو الخروف.. وربما القدرة على التفكير أيضاً.
الفرق بين الروايتين أن جبرا كان يكتب أدباً وجودياً.. بينما نحن نعيش كوميديا سوداء من إنتاج حكومة تؤمن أن المواطن يمكنه أن يأكل الوعود بدل اللحم.
قال رئيس الحكومة إن عدد رؤوس الأغنام يصل إلى أربعين مليون رأس.. لحظة سمعت الرقم، شعرت أننا لسنا مواطنين بل قطيعاً كبيراً ينتظر دوره في السوق.
لا أعرف هل كان يتحدث عن الخرفان أم عنا نحن.. فالأرقام في السياسة المغربية تشبه السحر.. تظهر فقط في الإعلام، ثم تختفي في الواقع كما يختفي الخروف ليلة العيد.
أما وزير الفلاحة.. فقد كان عليه، بدل المؤتمرات، أن يرسل لنا “لوكيشن” تلك الأغنام التي قيل إنها تباع بألف درهم.. لأن المواطن بحث عنها أكثر مما بحث عن النفط.
المأساة الحقيقية ليست في غلاء الخروف فقط.. بل في ذلك الإحساس المهين بأن المواطن صار يقضي شهوراً كاملة يفكر كيف يشتري أضحية.. بينما السياسي يفكر فقط كيف يشتري صوت المواطن نفسه بثمن أقل من ثمن “الدوارة”.
ثم يطلبون منا أن نثق في السياسة.. يا للسخرية.
يريدون من المواطن أن يذهب للتصويت، بعد أن جعلوه يلهث وراء الخروف كما يلهث البطل الهندي وراء حبيبته في آخر الفيلم.
لكن ربما هذه المرة يجب أن نتصرف بذكاء.. عندما يأتون لشراء الأصوات، لا تغضبوا، لا ترفعوا أصواتكم، فقط ابتسموا في وجوههم وقولوا بهدوء مغربي عظيم:
“خَلِيـه إبَعْبـَع”.
قولوا لهم إن الوطن ليس للبيع.. وإن المواطن الذي عجز عن شراء خروف لن يبيع كرامته بثمن كيس دقيق أو ورقة نقدية زرقاء.
صوتوا مرة واحدة بلا مقابل.. ليس حباً في السياسة، بل دفاعاً عن وطن جميل يستحق مواطنين لا يخافون من “البعبعة”.
أما الباقي.. فتفاصيل صغيرة في رواية رديئة الإخراج.. أبطالها كثيرون، لكن المشاهد سئم الفرجة منذ الحلقة الأولى.
طريق غزي.. بالحسانية.






