مجتمع وحوداث

أحمد اليبوري... حين يصيرُ الأستاذُ ذاكرةً للجَامعة

عبد الفتاح لحجمري

أستاذٌ لا يغادر الذّاكرة

حين تنسى الجامعة أساتذتها الكبار، تفقد جزءاً من روحها. وحين تعود إليهم بالاعتراف والوفاء، تستعيد معناها العميق، لا بوصفها مؤسسة تمنح الشهادات، وإنما بوصفها بيتاً للعلم، وفضاءً للذاكرة، ومكاناً يحفظ أسماء الذين صنعوا أثرهم في العقول والوجدان. من هنا تكتسب هذه اللحظة قيمتها الخاصة، لأنها لا تجمعنا حول نشاط عابر، ولا حول مناسبة بروتوكولية، وإنما تضعنا أمام لحظة إنسانية وفكرية رفيعة، نحتفي فيها بأستاذ جعل من المعرفة رسالة، ومن النقد مسؤولية، ومن الجامعة مجالاً لبناء الإنسان الحر.

نلتقي اليوم للاحتفاء بالأستاذ أحمد اليبوري، أحد الأسماء الوازنة في النقد الأدبي والثقافي المغربي. ولا نتحدث هنا عن أستاذ جامعي بالمعنى الإداري الضيق، ولا عن ناقد أضاف كتباً ودراسات إلى المكتبة العربية فقط. إننا نتحدث عن رجل ساهم في تشكيل الوعي النقدي المغربي الحديث، وشارك في نقل الدرس الجامعي من منطق التلقين إلى أفق السؤال، ومن حفظ المفاهيم إلى إنتاج الرؤية.

لقد فهم الأستاذ أحمد اليبوري، منذ وقت مبكر، أن النقد لا يقوم على الترف اللغوي، ولا على الاستعراض الاصطلاحي، وإنما يقوم على مسؤولية فكرية وأخلاقية. لذلك لم يجعل مشروعه النقدي وسيلة لإبهار القارئ باللغة، وإنما جعله طريقاً لإيقاظ العقل. كان يقرأ النصوص كما لو أنه ينصت إلى نبض المجتمع داخلها، ويرى في الأدب شكلاً عميقاً من أشكال فهم الإنسان، ومصيره، وأسئلته الكبرى.

الأستاذ المجدّد بين شرف المعرفة ومسؤولية الأثر

وحين نتأمل عنوان هذا اللقاء: الأستاذ المجدّد بين الموقف والمسؤولية، نجد أننا نختصر به سيرة علمية كاملة. فالتجديد عند الأستاذ اليبوري لم يكن نزوة فكرية، ولا سباقاً وراء الموضات النقدية العابرة. لقد تعامل مع التجديد بوصفه وعياً شجاعاً بأن الفكر الحقيقي لا يعيش بالتكرار. لذلك ظل طوال مساره يراجع، ويحاور، ويفتح الأسئلة، من غير أن يسقط في استعراض الحداثة أو ادعاء القطيعة الفارغة.

أما الموقف، فقد جعله الأستاذ اليبوري مرادفاً للنزاهة الفكرية. لم يغيّر قناعاته وفق التحولات العابرة، ولم يخضعها للحسابات الضيقة. لقد انحاز دائماً إلى المعرفة الجادة، وإلى الجامعة بوصفها فضاءً لتكوين الإنسان الحر، لا مجرد مؤسسة إدارية تنتج الشهادات. ولهذا حافظ على احترام المختلفين معه، لأن المفكر الحقيقي لا يحتاج إلى إجماع الناس حوله، وإنما يفرض احترامه بعمق رؤيته وأخلاقه العلمية.

وتأتي المسؤولية بوصفها الكلمة الأقرب إلى سيرته. فقد مارس الأستاذ أحمد اليبوري التعليم باعتباره رسالة، لا وظيفة محدودة بساعات العمل. كان يؤمن أن الأستاذ الحقيقي لا يكتفي بتقديم المقرر، وإنما يعلّم طلبته طريقة في التفكير، وأدباً في الحوار، واحتراماً للمعرفة، وانتصاراً للعقل. لذلك يتذكر كثير من طلبته ما قاله داخل المدرجات، كما يتذكرون طريقته في الإنصات، وفي إدارة الاختلاف، وفي تحويل الدرس إلى تجربة فكرية حيّة.

من هنا نفهم عمق العلاقة بين الأستاذ أحمد اليبوري ومختبر السرديات. فهذا المختبر يمثل امتداداً رمزياً لمسار معرفي ساهم الأستاذ في ترسيخ عدد من أسسه داخل الجامعة المغربية. لقد علّم أجيالاً كاملة أن السرد ليس مجرد حكاية، وإنما طريقة لفهم العالم، ووثيقة حساسة تكشف تحولات المجتمع واللغة والوعي. لذلك يحمل احتفاء مختبر السرديات به اليوم معنى خاصاً، كأن النهر يعود إلى منبعه، وكأن التلامذة يعودون إلى معلمهم الأول حاملين إليه ثمرة ما زرعه فيهم من شغف بالفكر والمعرفة.

وتزداد هذه اللحظة عمقاً لأنها تحدث في فاس. فاس ليست مدينة تاريخية عتيقة فحسب، وليست فضاءً عمرانياً تتجاور فيه الأزقة والقباب والمدارس القديمة. إنها حالة ثقافية وروحية خاصة، مدينة تسكنها ذاكرة علمية لا تشبه غيرها، كأن المعرفة فيها جزء من الهواء. ومن عرف فاس أدرك أنها لا تمنح روحها بسهولة، لكنها حين تمنحها لأحد، تمنحه انتماءً وجدانياً نادراً.

وللأستاذ أحمد اليبوري علاقة بفاس تتجاوز المكان إلى المعنى. فيها عاش جزءاً من مشروعه الفكري، ومنها عبرت أجيال من الطلبة الذين حملوا أثره إلى الجامعات والمؤسسات الثقافية والإعلامية داخل المغرب وخارجه. لذلك يشكل هذا اللقاء لحظة جميلة بين الذاكرة والمكان؛ بين فاس التي أسهمت في صناعة كثير من رموز الفكر المغربي، وبين أستاذ كبير ينتمي إليها بالمعنى الثقافي والروحي العميق.

لقد راكم الأستاذ أحمد اليبوري منجزاً معرفياً اتسم بالرصانة والعمق والالتزام بأخلاقيات البحث والحوار. مارس الكتابة النقدية بوصفها فعلاً معرفياً ومسؤولية فكرية، لا مجرد إنتاج نصوص أو إضافة عناوين جديدة. ومن هذا المنطلق، ارتبط مشروعه بالسؤال، وبالإنصات إلى النصوص، وبمحاولة فهم الأدب في علاقته بالإنسان والمجتمع والتاريخ.

من درس النقد إلى درس الحياة

ينطلق اليبوري في مقاربته للأدب من وعي دقيق بوظيفة النقد. فهو لا يتعامل مع النقد كأداة للحكم السريع أو التصنيف الجاهز، وإنما يجعله مجالاً للكشف والتحليل وبناء المعنى. لذلك ظل الأدب، في تصوره، جزءاً من التجربة الإنسانية في تعقيدها واتساعها، حيث تلتقي الذاكرة الفردية والجماعية، وتتحاور اللغة مع التحولات الاجتماعية والثقافية، وتمنح الكتابة الإنسان قدرة على فهم ما تعجز الخطابات المباشرة عن قوله.

وقد انعكس هذا التصور في حضوره الجامعي والتربوي. داخل المدرج، لم يكن الأستاذ اليبوري يقدم المعرفة مادة جاهزة للحفظ، وإنما يحولها إلى تجربة تفكير ومساءلة. كان يمنح الطالب أدوات القراءة، ويدفعه إلى اكتشاف النص من الداخل، ويرسخ استقلالية الفهم، ويحرر الدرس الأدبي من التلقين والتكرار. ولهذا ترك أثره في طلبته، لا من خلال المعلومات وحدها، وإنما من خلال طريقة النظر إلى النص، وإلى المعرفة، وإلى دور الأستاذ نفسه.

أما في كتابته، فقد جمع بين دقة الباحث وحساسية القارئ، وبين الصرامة المنهجية والانتباه إلى البعد الإنساني في الأدب. قرأ الرواية والقصة والنصوص السردية باعتبارها فضاءات لإنتاج الدلالة، ومرايا لتحولات المجتمع، وذاكرة رمزية تكشف ما يتحرك في الواقع من أسئلة وتوترات. ومن هنا اكتسب نقده قيمته، لأنه لم ينغلق داخل المصطلح، ولم يستسلم للاستعراض النظري، وإنما ظل مشدوداً إلى جوهر النص وإلى ما يفتحه من إمكانات في الفهم والتأويل.

لقد اختار الأستاذ أحمد اليبوري طريق العمق الهادئ، بعيداً عن منطق الظهور العابر والصخب الثقافي. وتجلى أثره في تكوين أجيال من الطلبة والباحثين، وفي ترسيخ تقاليد نقدية تقوم على النزاهة الفكرية، واحترام النص، والوعي بمسؤولية المعرفة. ومن ثم، فإن الحديث عنه يستحضر نموذج الأستاذ الذي يجعل من العلم خُلُقاً، ومن النقد ممارسة واعية، ومن الثقافة التزاماً إنسانياً ومعرفياً.

وقبل أيام، رافقت الأستاذ شعيب حليفي في زيارة للأستاذ أحمد اليبوري. وقد تحولت تلك الزيارة إلى درس آخر من دروسه، حتى وهو بعيد عن قاعات الدرس. كان سعيداً، منشرحاً، وفخوراً بهذا اللقاء وبالحاضرين جميعاً. غير أن ما أثر فيّ حقاً لم يكن فرحه وحده، وإنما تلك الطمأنينة العميقة التي كانت تسكنه. شعرت كأن الرجل ينظر إلى مسيرته بعين الأستاذ الذي يرى ثمرة عمره في تلامذته ومحبيه واستمرار أثره.

كان يتحدث عن طلبته بمحبة حقيقية، لا باعتبارهم أسماء مرت من المدرج، وإنما بوصفهم امتداداً إنسانياً وفكرياً له. وهنا تظهر عظمة الأستاذ الحقيقي: أن يصنع الأثر من غير ضجيج، وأن يترك في الناس ما لا تمحوه السنوات. فبعض الأساتذة يملؤون القاعات حضوراً، ثم يغيبون فور مغادرتها. أما الأستاذ الكبير، فيظل حاضراً حتى في صمته، لأن أثره يتحول مع الزمن إلى جزء من تكويننا الثقافي. لقد علّمنا الأستاذ أحمد اليبوري شيئاً نادراً في هذا الزمن: أن الثقافة يمكن أن تصير أخلاقاً، وأن العمق لا يحتاج إلى ادعاء، وأن التواضع ليس ضعفاً معرفياً، وإنما علامة نضج حقيقي. وفي زمن صار فيه كثير من الخطاب الثقافي ميالاً إلى الاستعراض، ظل هو وفياً لصورة المثقف الهادئ الذي يشتغل في العمق، ويترك لأعماله أن تتكلم عنه.

في مديح الأثر الهادئ

إن الأمم لا تقيس عظمتها بما تبنيه من عمران فقط، وإنما تقيسها أيضاً بما تحفظه من رموزها الفكرية والإنسانية. وحين تكرّم الجامعة أساتذتها الكبار، فإنها تكرّم صورتها الأجمل، وتحمي ذاكرتها من النسيان. فأخطر ما يهدد المؤسسات الثقافية لا يتمثل في الفقر المادي وحده، وإنما في فقر الوفاء. من هنا تأتي القيمة الرمزية الكبرى لهذا اللقاء. إنه إعلان جميل بأن الجامعة المغربية ما تزال قادرة على الاعتراف، وعلى الاحتفاء بمن خدموا الفكر في صمت ونبل، بعيداً عن الحسابات العابرة. وهو أيضاً رسالة إلى الأجيال الجديدة مفادها أن القيمة الحقيقية لا تصنعها السرعة، وإنما يصنعها الصبر، والصدق مع المعرفة، والوفاء للمعنى.

وفي الختام، لا نملك اليوم إلا أن نقول للأستاذ أحمد اليبوري: شكراً لأنك لم تكن مجرد أستاذ، فقد كنت مدرسة في الفكر والأخلاق. شكراً لأنك علمتنا أن المعرفة موقف، وأن النقد مسؤولية، وأن الجامعة تستطيع أن تكون بيتاً للكرامة الفكرية، لا مصنعاً للشهادات. شكراً لأنك منحت أجيالاً كاملة القدرة على أن تحلم بالفكر الحر، وبالثقافة التي تخدم الإنسان وتفتح أمامه أفقاً أرحب.

كل الشكر لمختبر السرديات، ولكلية الآداب فاس سايس، ولكل من ساهم في صناعة هذه اللحظة الإنسانية الرفيعة. ودمت، أستاذنا الكبير، أثراً جميلاً في الذاكرة المغربية والعربية، ودامت الجامعة وفية لمن صنعوا معناها الحقيقي.