رأي

زكريا برعلا: الحاجة أم الشناقة

ينسب الفلاسفة مقولة الحاجة أم الاختراع إلى أفلاطون، معتقدين أن النقص يولد الابتكار وتطوير الحلول العملية. لكن واقعنا المؤسف طور نظرية سوسيو اقتصادية جديدة، لتتحول القاعدة سريعا إلى الحاجة أم "الشناقة".


 بمجرد بروز احتياج حقيقي في حياة المواطن، لا يظهر المخترعون لتسهيل معيشته، بل يتناسل المضاربون وسماسرة الأزمات لامتصاص موارده واستنزاف جيوبه. ولنا في أحداث أسواق أضاحي العيد خير مثال ! 


 تضارب حاد في المواقف بين أطراف تتبادل الاتهامات بشكل مستمر، فبينما يلوم طرف أول المضاربين وتجار المناسبات، يوجه الثاني أصابع الاتهام للسياسات الحكومية العاجزة عن ضبط الأسواق، في حين يحمل طرف ثالث المواطن نفسه مسؤولية الخضوع الطوعي للاستغلال.


يكشف هذا الضجيج المتكرر استفحال ظاهرة التجارة بالأزمات دون أدنى شعور بالانزعاج الأخلاقي لدى فئات واسعة، سواء كانوا مسؤولين بمناصب عليا أو أفرادا بسطاء في قاع المجتمع. يتحول المجتمع تبعا لذلك إلى سلسلة غذائية يبتلع فيها الكائن القوي من هو أضعف منه، محكوما بقاعدة اقتصادية وحيدة تتمثل في توفير خدمة مقابل استغلال حاجة ملحة وفق منطق الرأسمالية المتوحشة، ليصبح تحويل العوز إلى رصيد مالي دسم حرفة يتقنها الشناق باحترافية عالية.


في سياق تفكيك هذه الاحتياجات الحيوية، تتصدر الصحة قائمة الأولويات البشرية الأساسية، لتتحول سريعا إلى سوق خصبة للتربح المادي الصرف بعيدا عن نبل رسالة التطبيب. يكابد كل مريض اليوم نار الاستغلال الصحي بشكل مباشر أو غير مباشر، حيث يبدأ مسلسل الاستنزاف المالي من بوابة المنشأة الصحية عبر ابتزاز حراس الأمن الخاص، ليصل لاحقا إلى مشرط الجراح الذي يفرض تسبيقات مالية غير مصرح بها خارج الإطار القانوني، ناهيك عن الممارسات اللاإنسانية للمصحات الخاصة بدءا من شيك الدخول وصولا إلى الفاتورات الفلكية.


توازيا مع ذلك، يتولى لوبي الصناعة الصيدلانية تعميق الجراح عبر احتكار استيراد وتصنيع أدوية الأمراض المزمنة، فارضا هوامش ربح تتجاوز 300 بالمائة على علاجات السرطان والسكري مقارنة بأسعارها في دول المنشأ. يتحول جسد المريض نتيجة هذا الجشع إلى مجرد أصل تجاري يدر أرباحا طائلة على شبكة متكاملة من المنتفعين الذين يتاجرون بالألم البشري دون رقيب.

قطاع حيوي آخر يتعرض لعملية تسليع ممنهجة يقودها القطاع الخاص بكفاءة استغلالية عالية ومدروسة، يتمثل في حاجة المغاربة للتعليم. يفرض أرباب المدارس الخاصة رسوما شهرية مبالغا فيها ومصاريف تأمين وهمية، مدعومين بلوبي المقررات والكتب المدرسية الذي يقرر تغيير المناهج سنويا لضمان استمرار المبيعات وتكديس الأرباح. يمتد الفساد الإداري نحو المؤسسات العمومية عبر صفقات تعقد تحت الطاولة، تشمل تفويت خدمات النظافة وشركات الحراسة وتوريد المعدات التقنية الرديئة والتوظيفات المشبوهة، ليفقد قطاع التربية بوصلته المعرفية ويصبح ساحة لتصفية الحسابات المالية على حساب جيل بأكمله.


علاوة على ما سبق، تخضع الحاجة إلى الأمن والعدالة لمنطق السمسرة والانتفاع المادي داخل ردهات المحاكم ومحيطها الخارجي، إذ يستغل بعض أصحاب البذل السوداء جهل المتقاضين بتعقيدات المساطر لفرض أتعاب خيالية تستنزف مدخرات الأسر. ينشط سماسرة الملفات تزامنا مع ذلك في بيع الوهم للمتخاصمين وتوجيه مسار القضايا خارج الإطار القانوني السليم. في خضم هذه المعاناة، يتدخل الإعلام عبر استغلال المآسي الاجتماعية ونشر محتوى عاطفي شعبوي يهدف حصرا لرفع نسب المشاهدة وابتزاز الفاعلين، ليتخلى المنبر الصحفي عن دوره التوعوي والتنويري لصالح مراكمة العائدات الإشهارية.


يتجاوز الجشع حدود الحياة ليمتد نحو استغلال الموتى وتفاصيل رحيلهم النهائي عن عالم الاستهلاك المادي. بمجرد حدوث الوفاة، يدفع ذوو المتوفى تكاليف باهظة تبدأ من أسعار الأكفان مرورا بمصاريف حفر القبور التي تتجاوز 5000 درهم في بعض الحواضر الكبرى، وصولا إلى تعقيدات الإجراءات الإدارية المتعلقة بالدفن واستخراج تصاريح الوفاة. تثبت هذه الممارسات المتجذرة سيطرة عقلية التربح على أدق تفاصيل الوجود الإنساني، مؤكدة تلازم الاحتياج مع ظهور شبكات الاستغلال المنظم.


تتعدد وجوه المضاربين وتتجاوز أسواق المواشي الموسمية لتشمل قطاعات استراتيجية حساسة تتحكم في مصير البلاد، حيث يرتدي أخطر هؤلاء السماسرة بذلات أنيقة ويجلسون في مكاتب مكيفة، بل يترشحون للانتخابات التشريعية والمحلية لضمان حماية مصالحهم الاقتصادية عبر سن قوانين مفصلة على مقاس شركاتهم لتغذية حسابات الأوليغارشية المتحكمة.


تأسيسا على هذا الواقع المرير، يبرز التخلي الطوعي عن الاحتياج كحل نظري ووحيد لكسر شوكة المحتكرين وتفكيك منظومتهم الصلبة. يقتضي هذا النهج القاسي تخلي المرضى عن المصحات الخاصة ولوبي الأدوية، وكذا سحب الآباء لأبنائهم من المدارس وتلقينهم الحروف والعلوم داخل المنازل لضرب أرباح لوبي التعليم الخاص. يفرض التصدي لشركات المحروقات استغناء المواطنين عن سياراتهم واعتماد رياضة المشي أو الدراجات الهوائية، وهو ما يضمن لهم صحة معافاة تقيهم أصلا من زيارة الأطباء. وبالعودة لأجواء العيد، يتطلب الهروب من فخ أسواق المواشي التخلي النهائي عن شراء الكبش، استنادا إلى مبدأ التيسير في الدين وتجنبا للتكليف المادي المرهق.


يصطدم تطبيق هذه الحلول الجذرية بسيطرة عقلية القطيع وخضوع الأفراد الطوعي والمجاني لضغط الجماعة داخل المجتمع. يعجز الفرد عن التحرر من سطوة الأعراف، متناسيا القاعدة الفلسفية التي تؤكد خطأ انسياق الأغلبية وراء عادات استهلاكية مدمرة تستنزف الجيوب. يفسر هذا الواقع الفشل الذريع لحملة خليه يبعبع كدليل قاطع على هشاشة الوعي الجمعي، إذ تراجع المقاطعون عن مواقفهم بمجرد اقتراب موعد النحر، ليقدموا أموالهم طواعية لشبكات المضاربة خوفا من كلام الجيران.


يستدعي تفشي متلازمة الاستغلال وتغول الشناقة في كل تفاصيل الحياة اليومية مراجعة شاملة لآليات الضبط والمراقبة الموكولة لمؤسسات الحكامة وتخليق الحياة العامة. يترك غياب التدخل الحازم لزجر الممارسات الاحتكارية وتطبيق تشريعات حماية المستهلك المواطن البسيط فريسة سهلة لسلسلة لا تنتهي من الابتزاز المالي الممنهج، لتتحمل القطاعات الحكومية الوصية المسؤولية المباشرة عن تقويض السلم الاجتماعي وتعميق الفوارق الطبقية عبر غض الطرف عن سماسرة يقتاتون على حاجة المجتمع.