لقد أصبحت بعض الشخصيات تتحرك داخل المشهد السياسي والثقافي والفني بطريقة أقرب إلى “التموقع الرمزي” منها إلى الفعل الحقيقي. نراها تنتقل بين الندوات واللقاءات والأنشطة والمناسبات، وتظهر في صور متكررة إلى جانب مسؤولين أو شخصيات ،فرضت نفسها على انها نافذة، في محاولة دائمة لصناعة هالة من التأثير والشرعية. وكأن السياسة لم تعد مجالا لبناء المشاريع والأفكار بل تحولت إلى عملية إخراج بصري مستمر يتم من خلاله تسويق الذات السكيزوفرينية أكثر مما يتم فيه إنتاج المعنى المشروع والائق بالنخب التي تعبت هذه الأخيرة من انتظاره.
إن أخطر ما يميز هذه المرحلة ليس فقط صعود تفاهة روتيني اليومي بقدر صعود التفاهة التي تعلم كيفية ارتداء لباس النخبة!!!... فبعض الوجوه التي تظهر اليوم في المجال العام تحاول اختصار مسافات طويلة من التكوين والتجربة والتدرج عبر خلق رأسمال رمزي سريع موتسارت قائم على الصورة والعلاقات المسجلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي والانتشار الإعلامي بدل الشرعية الفكرية أو العمل الميداني الحقيقي...
وهنا يمكن استحضار ما تحدث عنه بيبر بورديو (Pierre Bourdieu) حول “الرأسمال الرمزي”... باعتباره شكلا من أشكال السلطة غير المادية التي يكتسبها الأفراد عبر الاعتراف الاجتماعي والتموقع داخل الحقول المؤثرة... غير أن ما نعيشه اليوم يتجاوز أحيانا هذا المفهوم نحو نوع من التضخم الرمزي المصطنع والمقزز... بحيث يتم خلق شخصيات عمومية بشكل سريع عبر آليات التواصل والصورة والعلاقات... محاولة لإقناع المجتمع بوجود نخب جديدة رغم غياب التراكم الحقيقي الذي يمنح لأي شخصية مشروعيتها الطبيعية.
كما أن هذا الواقع يقترب كثيرا مما وصفه ݣي ديبور (Guy Debord) بـ”مجتمع الفرجة”بحيث تصبح الصورة أكثر حضورا من الحقيقة ويصبح الظهور أهم من الفعل نفسه...
فبعض الفاعلين لم يعودوا منشغلين ببناء مشروع سياسي أو فكري متماسك، بقدر ما أصبحوا منشغلين بإدارة حضورهم داخل المجال العام... وكأن السياسة تحولت إلى مسرح كبير تؤدى فيه الأدوار بعناية شديدة أمام الجمهور.
لعل ما يزيد هذا المشهد تعقيدا هو أن هذه الظواهر تشتد غالبا كلما اقتربت المحطات الانتخابية أو لحظات إعادة ترتيب التوازنات السياسية... إذ تبدأ عملية الاستعراض الرمزي عبر تكثيف الظهور الإعلامي واستغلال الفضاءات الثقافية والفنية والجمعوية ومحاولة الاقتراب من دوائر النفوذ في سياق يبدو فيه أن معركة التأثير أصبحت قائمة على صناعة الانطباع أكثر من صناعة الأثر.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في كثافة الحضور بل في عمق التراكم. فالنخبة الحقيقية لا تصنع في بضعة أشهر ولا تبنى عبر الصور والمنصات والخطابات الجاهزة بل تتشكل عبر سنوات من الاشتغال الصامت والتكوين والاحتكاك بالمجتمع والقدرة على إنتاج الفكرة والموقف والمعنى.
لقد تغير الوعي المجتمعي المغربي بشكل واضح.!!! فالمواطن لم يعد يستهلك الصورة كما تقدم له ولم يعد ينبهر بسهولة بالسلطة الرمزية المصطنعة ... بل أصبح أكثر قدرة على التفكيك والتمييز وأكثر وعيا بالخلفيات والسياقات وآليات صناعة الواجهة.... لقد صار يسائل المسارات، لا الصور ويبحث عن العمق لا عن الضجيج...
ومن هنا، يصبح الفرق واضحا بين من يبني ذاته عبر التراكم، ومن يحاول فرضها عبر الانفجار. فالتراكم ينتج شخصية متماسكة ومشروعا ممتدا وشرعية طبيعية، بينما ينتج الانفجار حضورا مؤقتا سرعان ما يتآكل بمجرد انطفاء الضوء الإعلامي.
إن المجتمعات التي تبحث عن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تبني مستقبلها على نخب مصنوعة على عجل، بل على نخب تمتلك عمقا معرفيا وإنسانيا وأخلاقيا، وتؤمن بأن الشرعية ليست صورة تُلتقط، بل مسارا يُبنى.
وفي النهاية، قد يصنع الانفجار ضجيجا للحظة، لكن التراكم وحده هو ما يصنع الأثر والتاريخ.






