في المغرب، يأتي عيد الأضحى هذا العام مثقلا أكثر من أي وقت مضى بأسئلة القدرة والكرامة والمعنى. فالمغاربة الذين ارتبطوا دينيا وتاريخيا بالأضحية ارتباطا يكاد يلامس الأسطورة، يجدون أنفسهم اليوم أمام أسعار ملتهبة يشعلها الشناقة والسماسرة والمضاربون، بينما تبدو الحكومة أو السياسة منشغلة بأشياء أخرى تماما، وزراء يطلقون تصريحات تثير السخرية أكثر مما تبعث الطمأنينة، وأحزاب تستعد مبكرا لمعركة المقاعد والتزكيات، كأن البلاد كلها تحولت إلى سوق كبير للمصالح الموسمية. وفي خضم هذا العبث اليومي، يبدو المواطن المغربي وكأنه يراقب المشهد بدهشة متعبة، متسائلا كيف اتسعت المسافة إلى هذا الحد بين الخطابات الكبرى والواقع الذي يزداد ثقلا عاما بعد آخر.
في المغرب، تبدو السياسة أحيانا كأنها موسم عابر، يشبه مواسم الأمطار التي صارت بدورها نادرة، باستثناء هذا العام، تختفي الأحزاب في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن، فلا تكاد تجد لها أثرا في الأحياء الشعبية، ولا في الجامعات، ولا في النقابات، ولا وسط الشباب الغارق في القلق والأسئلة الثقيلة، ثم فجأة، وقبل الانتخابات بقليل، تستيقظ البلاد على حمى سياسية غريبة، تتحول فيها المقرات الحزبية إلى خلايا نحل موسمية، وتفتح أبواب التزكيات كما تفتح شبابيك الامتيازات، ويصبح المناضل الحقيقي مجرد تفصيل قديم في زمن الأعيان والوجوه القادرة على ضمان الأصوات أكثر من قدرتها على إنتاج الأفكار.
الأحزاب التي تحدث عنها غرامشي باعتبارها “مثقفا جماعيا” يؤطر المجتمع ويصنع الوعي، تحولت في كثير من الأحيان إلى مجرد آلات انتخابية تتقن الحساب أكثر مما تتقن السياسة. أما ماكس فيبر، الذي رأى في الأحزاب وساطة بين الدولة والمجتمع، فربما كان سيصاب بالذهول لو تابع كيف تحولت الوساطة عندنا إلى سباق محموم نحو المقاعد والحقائب، حتى بدا المشهد وكأن السياسة نفسها صارت نوعا من الريع، يضاف إلى أشكال الريع الأخرى التي يتقنها هذا البلد العجيب.
والمفارقة الساخرة أن كل هذا يحدث في بلد منح فيه دستور 2011 للأحزاب أدوارا كبرى في التأطير والمشاركة وصناعة المواطن، لكن الواقع ظل أكثر عنادا من النصوص. فالمواطن الذي يسمع كل موسم انتخابي شعارات الكرامة والعدالة والإنصاف، يعود بعد انتهاء الحملات ليواجه الفواتير نفسها، والأسعار نفسها، والقلق نفسه، وكأن الانتخابات مجرد استراحة قصيرة في مسلسل طويل من الانتظار.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن المغرب عاش خلال السنوات الأخيرة على إيقاع أوراش كبرى ومشاريع ضخمة. طرق سيارة، موانئ، قطارات، ملاعب استعدادا لكأس العالم، مشاريع لتحلية مياه البحر، وتوسيع الحماية الاجتماعية، واستثمارات في الصناعة والطاقة والهيدروجين الأخضر. صورة بلد يتحرك بسرعة نحو المستقبل، ويقدم نفسه كنموذج للاستقرار والتنمية في محيط إقليمي مرتبك. غير أن السؤال الذي يطرحه الناس في المقاهي والأسواق ووسائل النقل أكثر بساطة وقسوة في الآن نفسه: لماذا لا يشعر المواطن بكل هذه المشاريع في تفاصيل حياته اليومية؟ لماذا يبدو المستقبل مشرقا في الخطابات فقط، بينما يزداد الحاضر ثقلا على كتفي المواطن البسيط؟
ثم جاءت السنوات الأخيرة مثقلة بما يكفي من الألم والمعاناة، جائحة كورونا التي حبست الأنفاس وكشفت هشاشة واسعة تحت سطح الشعارات، سنوات الجفاف التي جعلت الماء نفسه موضوع قلق وطني، زلزال الحوز الذي هز الحجر والبشر وأعاد تذكير الجميع بأن المغرب العميق ما يزال يعيش خارج حسابات التنمية الحقيقية، ثم موجات الغلاء التي جعلت المواطن يطارد قدرته الشرائية كما يطارد سرابا بعيدا. صار الناس يتحدثون عن أسعار الخضر والمحروقات أكثر مما يتحدثون عن السياسة، لأن المعيشة نفسها أصبحت معركة يومية مفتوحة.
في خضم هذا كله، يظهر “جيل Z” المغربي منفجرا ككائن سياسي جديد يصعب فهمه بالأدوات القديمة. جيل لا يثق كثيرا في الخطب ولا في الشعارات، ينتقد ويسخر من الجميع تقريبا ويستعمل الهاتف أكثر مما يستعمل المقرات الحزبية، ويحول الإحباط إلى “ميمات” ساخرة ومنشورات لاذعة. جيل بدا في الظاهر لامباليا، لكنه في العمق كان غاضبا ومتعبا وباحثا عن معنى مختلف للمشاركة والكرامة. وربما لهذا السبب تبدو السلطة والأحزاب أحيانا عاجزة عن التقاط نبضه، لأنها ما تزال تتحدث بلغة قديمة إلى شباب يعيش في زمن آخر بالكامل.
المغرب اليوم ليس بلدا بلا إمكانيات، بل ربما تكمن مأساته في كثرة الإمكانيات وقلة الثقة. بلد ينجح في تنظيم التظاهرات الكبرى وبناء المشاريع العملاقة، لكنه ما يزال عاجزا عن ترميم المسافة النفسية التي اتسعت بين السياسة والمواطن. ولهذا يبدو المشهد أحيانا مثيرا للسخرية والحزن معا: دولة تركض بسرعة نحو المستقبل، ومجتمع يتساءل بصوت خافت إن كان قد ترك خلفها دون أن ينتبه أحد.
وبالمحصلة، حين تنسحب الأحزاب من أدوارها الدستورية والتاريخية، ولا تعود تؤطر المجتمع أو تدافع عن الأفكار والقيم بقدر ما تنشغل بالحسابات الانتخابية الضيقة، فإن الضرر لا يصيب السياسة وحدها، بل يمتد إلى الدولة نفسها وإلى ثقة المجتمع في مؤسساته. فالدولة القوية لا تبنى فقط بالمشاريع الكبرى والإدارة، بل أيضا بوجود أحزاب حقيقية تشكل جسرا بين المواطن والسلطة، وتمتص التوترات الاجتماعية، وتمنح الناس الإحساس بالمشاركة والمعنى. وعندما تضعف الأحزاب أو تتحول إلى مجرد آلات انتخابية موسمية، تصبح الدولة أكثر عزلة أمام غضب المجتمع، ويصبح العمل الحكومي فاقدا للسند السياسي والفكري، بينما يتسلل الإحباط واللامبالاة إلى المواطنين.






