في معرض “الصمت النابض” الذي افتتح أمس الخميس برواق باب الرواح، يوقع قديد لوحات تحمل طابع الاستمرارية والتجديد في نفس الآن. يقول في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء “كنت أهتم بالشكل، الآن أهتم أكثر بما يدور في قلب اللوحة. لم تعد اللوحة تنقسم إلى الممتلئ والمفروغ. كل حركة، كل لمسة داخلها لها أهميتها المركزية. اللغة التشكيلية مستقلة”. يراهن الفنان على عناصر دقيقة لصناعة عالم تشكيلي بلغة خالصة: الحركة، الضوء، سمك الخطوط..ذلك لأن المنظر في اللوحة ليس إلا ذريعة لما هو أبعد.
تنبثق من أعمال قديد كالعادة طاقة غامرة تطلع من أغوار سحيقة حارة. اللوحة مفتوحة على القراءات، لكن الفنان يرى أنه “لنعرف اللوحة ينبغي أن نعرف الفنان”. تفجر لوحات المعرض، التي تحاور المشاهد بلا عناوين، طاقتها من خلال الضوء، ووظيفته كفنان أن يتحرى الضوء في اللوحة التي تنبض بطاقة كامنة. يستهجن سعيد قديد التشكيل السطحي، ومعه القراءات المبسطة. إنه يدعو المشاهد إلى تقاسم تأويل اللوحة والتحليق في عوالمها الدلالية والإيحائية، أما هو فلا يقترح صورة ثابتة مغلقة ولا يسعى إلى لوحة مكتملة.
يقر خريج مدرسة تطوان للفنون الجميلة بأن ثنائية الوعي واللاوعي حاضرة بقوة أثناء العملية الإبداعية. والفنان المثقف يشغل روحه ووعيه بشكل مستمر في الإنصات للعالم واليومي والتقاط التفاصيل. اللوحات هي ولادة ومخاض، يتجاور فيها الوعي واللاوعي. هو يفوض الكثير من عالمه إلى اللاوعي، يسعى إليه، يراهن عليه.. لأنه جامح، غير منضبط، غير محدد الاتجاه.
تقديما للمعرض، كتب الفنان أن الانسان لا يظهر في أعماله الجديدة، “بوصفه موضوعا جاهزا، بل كعالم عابر داخل زمن متشظ .. أجساد في حالة حركة أو انكسار، وجوه نصف واضحة، كأنها تخرج من ضباب الذاكرة أو تعود إليه”.
تتجاور في هذه التجربة ملامح من الواقع المغربي مع حضور إنساني مشحون بالأمل والتأمل، لكن سعيد يصر على التأكيد بأنه “لا يوثق بل يعيد تشكيل هذا الواقع عبر لمسات أولية حرة، حيث يصبح الجسد امتدادا للمكان، ويغدو اللون أثرا نفسيا أكثر منه وصفا بصريا”. في لوحاته، “يبدو الإنسان وحيدا، معلقا بين الحركة والسكون، بين الانتماء والاقتلاع”.
ويرى في هذا السياق أن “الأطراف الممدودة، الجلسات المنحنية، النظرات الغائبة، كلها تحيل إلى حالة داخلية عميقة: توتر صامت، أو تأمل ثقيل أو ربما مقاومة خفية. الأزرق الداكن والأسود وتفجرات الضوء ليست مجرد اختيار جمالي، بل لغة تعبيرية تترجم هشاشة الكائن وقوته في آن واحد”.
في قراءته لمعرض سعيد قديد، يزكي الشاعر حسن نجمي فكرة التجريد الذي يشتت شكل الوجه ويمنحه احتمالات أخرى للتشكل بحيث أنه “لا يبقى الوجه مرآة لملامح مستقرة، وإنما يصير عاصفة من الرؤى، كتلة من الضوء والندوب، وذاكرة تتشظى وهي ترى. هنا لا يعمل التجريد كمحو. التجريد هنا كشف مضاعف: كلما تكسرت الهيئة، انكشفت طبقاتها الخفية، وكلما انمحت الحدود، تولد حضور أكثر كثافة..”.
بصيغة أخرى، الوجوه عند سعيد قديد لا تُرى من الخارج، كأنها تستخرج من الداخل، كما لو أن الفرشاة تحفر في الكيان لا على السطح، يقول نجمي الذي يخلص إلى أن “خطوطه المتوترة، انسكابات اللون، والانزياحات الحادة بين الأزرق والبرتقالي والأبيض، ليست عناصر تشكيلية فحسب. لا، إنها تبدو لي آثار صراع بين ما يُرى وما يُحسّ…فهو لا يرسم الوجه، وإنما يختبر إمكانات الوجه وهو يتفكك، وهو يعيد ترتيب نفسه داخل مرايا متعددة، مرايا تخلق الصورة ولا تعكسها”.
في كتيب المعرض، تتجاور اللوحات مع أبيات شعرية تعلن عن انتماء مزدوج للفنان إلى عالم جمالي بلغتين. وهو ما رصده عبد الجليل لحجمري، أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة، وهو يتحدث عن تداخل تجربة الشاعر والرسام، بحيث تزخر اللوحة بإمكانيات القصيدة ونشيدها، بقدر ما ترسم القصيدة لوحة بالأبجدية.
في “باب الرواح”، تكون قد مرت 36 سنة على تلك المحطة الأولى التي انكشفت فيها تجربة سعيد قديد على الملأ، مواصلا منذ ذلك الحين مغامرة اللون والضوء والحركة بشحذ مستمر للطاقة الإبداعية التي صنعت له مكانة خاصة في المشهد التشكيلي المغربي وقادته إلى العرض في عواصم الفن العالمي: باريس، لندن، غرناطة، غرونوبل، أبو ظبي.. هذه المغامرة لم تلهه عن أداء واجب التقاسم ونقل الخبرة والمهارة بروح صوفية. ورشة سعيد قديد مفتوحة لكل طلاب وهواة الإبحار في عالم الرسم.






