سجلت الثقافة الآسيوية حضورا لافتا بمدينة القنيطرة مساء السبت العاشر من ماي عبر وصلة فنية أبدعها طلبة من إندونيسيا وماليزيا لافتتاح الجلسة التأسيسية لصالون مريم آيت أحمد الفكري. يكسر هذا الحدث الأكاديمي الفراغ المؤسساتي داخل قطب حضري يشهد تمددا اقتصاديا متسارعا يستوجب مواكبة فكرية دقيقة. التامت نخب وازنة داخل الفضاء الحواري لتدارس موضوع القيم وتحولاتها في ظل الذكاء الاصطناعي بهدف بلورة تصورات تحمي الهوية الحضارية وتستوعب المستجدات التكنولوجية. توافد الضيوف لتوثيق حضورهم المباشر ضمن سجل رسمي يعكس جدية المبادرة ويؤسس لتقليد ثقافي مستدام.
تولى الإطار بوزارة العدل محمد أبرباش تسيير الأشغال مقدما لائحة الشخصيات المشاركة التي تصدرها الخبير التربوي الدولي محمد الدريج إلى جانب حقوقيين وأكاديميين وخبراء. افتتح مصطفى المانوزي النقاش مقترحا هيكلة الجلسة نحو تشخيص أزمة القيم ثم صياغة البدائل العملية لتجاوزها، رابطا مسار الأنسنة بتفعيل قواعد الاعتراف والإنصاف لتأسيس عدل فعلي. تشريحا للجانب التقني، اعتبر المستثمر الدولي الغازي عبد الله الذكاء الاصطناعي سلاحا مزدوجا يضر بالمجتمعات العربية لغياب التحصين، مستدلا بصرامة التشريعات الخليجية الرادعة لمروجي المحتوى المخالف ومحذرا من استغلال التقنية في تزييف الحقائق وتسهيل الاحتيال المالي.
تفاعلا مع هذا الطرح، بسط الخبير محمد الدريج نظرية الانهيار الشامل للبنية الرقمية موضحا عجز الخوارزميات عن إنتاج علوم جديدة واكتفائها بمسح أرشيف الإنترنت لإعادة تدوير المعرفة البشرية. تفضي هذه الدوامة الآلية إلى إضعاف ملكة الإبداع وتسريع التردي الأخلاقي عبر نشر محتويات سطحية مكررة. بالمقابل، دافع المحامي نعيم اشماعو عن المقاربة البراغماتية مستعرضا عجزه سابقا برفقة طاقم قانوني عن تصفية ثلاثين ألف ملف قضائي خلال أربعة عشر عاما، وهي مهمة تنجزها الخوارزميات حاليا في وقت قياسي.
التقط أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن طفيل الدكتور ربيع بن حمو خيوط النقاش ليؤسس لمقاربة حضارية عميقة، موضحا ارتباط القيم بالهوية المرتكزة على المعتقد واللغة والمجال الجغرافي. نبه الأكاديمي المتخصص بصرامة إلى خطورة استدماج التقنيات الحديثة داخل قطاع التعليم العالي دون تحصين مسبق، مشيرا إلى التكلفة البيئية الباهظة المتمثلة في استنزاف الموارد المائية لتبريد الخوادم العالمية. توج الأستاذ الباحث مداخلته بطرح مفهوم الذكاء الروحي باعتباره الضمانة الحصرية والدرع الواقي لاستمرار تفوق الإنسان على الآلة، محذرا من استلاب الخوارزميات للإرادة البشرية وداعيا إلى إرساء تكوين مستمر يشمل كافة شرائح المجتمع.
ميدانيا، عززت أستاذة علم الاجتماع بجامعة ابن طفيل الدكتورة ليلى أكريد الجلسة بقراءة سوسيولوجية دقيقة مستندة إلى دراسة كشفت امتلاك خمسة وسبعين بالمائة من المبحوثين لهويات رقمية تتناقض كليا مع واقعهم الفعلي. حملت الخبيرة السوسيولوجية هذه الازدواجية مسؤولية الارتفاع المهول في معدلات الطلاق وتفكك الروابط الأسرية. بناء على ذلك، طالبت الأكاديمية بتأسيس مادة التربية على الرقمنة تدمج الذكاء التقني والعاطفي والاجتماعي، مع إقرار تدريس هندسة الأوامر بالمدارس الابتدائية لتخريج جيل يتحكم في الآلة بدل الخضوع لتوجيهاتها العمياء.
توازيا مع هذه الطروحات، تدخلت الأكاديمية مريم آيت أحمد لتشريح ثنائية الثبات والنسبية مستشهدة بزيارة للولايات المتحدة الأمريكية أبرزت استمرار العبودية داخل قوالب عصرية ناعمة. حذرت صاحبة الصالون من وجود مشاريع مختبرية تستهدف إعادة تشكيل الوعي الجمعي وإفراغ الأجيال من عمقها التاريخي. استكمالا للتشخيص، أضاف المستشار عبد الرحيم آيت علا معطى غياب المواكبة التشريعية الذي ضاعف مستويات العزلة الأسرية وغذى ظاهرة الاستعراض المبالغ فيه.
من جهتها، وجهت مفتشة التربية الإسلامية الدكتورة فاطمة أباش من موقعها الميداني نقدا لاذعا للشرخ الحاصل بين التفوق التقني الكاسح للتلاميذ وتخلف المقررات المدرسية. سجلت الخبيرة التربوية انعكاسات هذا التفاوت عبر تنامي حالات الغش الممنهج، محذرة بلهجة شديدة من التهديدات الحقيقية التي تمس النصوص المقدسة بالتحريف جراء غياب التحصين الرقمي. لم تكتف المفتشة بالتشخيص بل دعت لتفعيل التربية الإعلامية الاستباقية لتوجيه الرأي العام، مشددة على حتمية التوثيق المنهجي لمخرجات الجلسات ومأسسة الهياكل الحوارية لضمان استدامتها وتحصين الذاكرة الفكرية للمجتمع.
يستدعي التمدد التكنولوجي الكاسح تحركا مؤسساتيا حازما يتجاوز المقاربات الاستهلاكية المحدودة لتفادي السقوط في التبعية المطلقة. تتحمل القطاعات الحكومية المكلفة بالتعليم والتشريع وتكنولوجيا المعلومات التبعات المباشرة للفراغ القانوني والتربوي الذي يترك الناشئة فريسة لخوارزميات تعيد تدوير المحتويات الجاهزة وتستنزف القدرات الإدراكية. يكلف التماطل في إرساء منظومة تربية رقمية سيادية خسائر فادحة تضرب الهوية الثقافية وتنسف التماسك الأسري. يفرض الواقع المستجد صياغة سياسات عامة تحول المواطن من مستهلك للبيانات إلى فاعل يطوع التكنولوجيا وفق محددات أخلاقية وأمنية صارمة تحمي الذاكرة المشتركة وتضمن استقلالية القرار التقني للبلاد.






