لم تكن السلطات الجزائرية تتصور أن قضية الصحراء ستأخذ الحجم والأبعاد التي بلغتها اليوم على المستوى الدبلوماسي والإنساني والسياسي.
وجدت السلطات الجزائرية نفسها، في نهاية المطاف، أمام مشكلة معقدة وخطيرة حيث تستقبل فوق ترابها، لأكثر من خمسة عقود، ساكنة في حاجة إلى موارد ضخمة للعيش، أكلا وشربا وعلاجا وتمدرسا. والأدهى من ذلك، أن لا رؤية لها للمستقبل.
ربما اعتقدت السلطات الجزائرية في البداية أن المشكل سيجد حلا في وقت قريب مراهنة، بدون شك، على "الانهيار المحتوم للنظام المغربي" .
أنفقت الجزائر مبالغ ضخمة، أولا في الحرب ضد المغرب، بصفة مباشرة أو عبر جبهة البوليساريو، ثم في الصيانة المستمرة لهذه المخيمات، وفي تمويل الحركات والتمثيليات الدبلوماسية لجبهة البوليساريو، والمنح الدراسية، والرشاوى التي تجود بها على العديد من البلدان للحصول على الاعتراف ب " الجمهورية العربية الصحراوية " .
وبعبارة أخرى، تمول الجزائر سفارتين في العديد من البلدان، وذلك على حساب دافعي الضرائب الجزائريين وأموال النفط، عل السلطات المغربية تضطر للرضوخ للإملاءات الجزائرية على المستوى الدبلوماسي والدولي، حتى تتمكن من إنشاء جمهورية عدد ساكنتها لا يتجاوز 70 ألف نسمة. في حين أن دولة كبيرة مثل الجزائر، بمساحة تفوق مليوني كيلومتر مربع، وخمسة وأربعين مليون نسمة، والنفط والغاز، ما زالت تعاني من صعوبات جمة لضمان أمن مواطنيها وحمايتهم من العنف وتلبية حاجياتهم الأساسية من المواد الغذائية والسكن.
فعلى الرغم من أن المغرب تأخر في المصادقة على معاهدة الحدود الثنائية للأسباب يعرفها الجميع، فلا شيء يبرر الحرب والهجوم الدبلوماسي المكثف ضد المملكة والذي أفضى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بشكل شبه دائم.
وأخطأت السلطات الجزائرية التقدير سنة 1975، عندما اعتقدت أن النظام على وشك الانهيار، خصوصا بعد الانقلابين المتعاقبين ضد الملك الحسن الثاني حيث تم إجهاض محاولة لزعزعة المغرب في سنة 1973، بعد تسلل مجموعة مسلحة من المغاربة من الجزائر.
وأخطأت الجزائر أيضا سنة 1999، حيث كانت الصحافة الجزائرية تعتقد أن وفاة الحسن الثاني قد تدق المسمار الأخير في نعش النظام الملكي. فقبل بضع سنوات من رحيل الملك الحسن الثاني، كانت تقارير الصحافة الجزائرية تقدم المغرب وكأنها تتحدث عن بلد من كوكب آخر. بلد اجتاحه الفقر والبؤس، خاصة بعد إغلاق الحدود، وزعزعته توترات اجتماعية متواصلة تنذر بانفجار اجتماعي آت لا ريب فيه. وباختصار، بلد قاب قوسين أو أدنى من الإفلاس، ونظام سياسي بلغ حدود الانهيار.
كانت الصحافة الجزائرية تعتمد فقط على تقارير الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وكذا على حزب النهج الديمقراطي، اللذان أصبحا محاورين حصريين لها. وفي وقت لاحق أضحت تقتات من تصريحات وزير الداخلية السابق الراحل إدريس البصري، الذي كان فيما قبل مستهدفا من طرف هذه الصحافة نفسها، أو من بعض الصحفيين الأوروبيين مؤلفي العديد من الكتب المتحاملة على المملكة.
أما الشبكات القديمة للمعارضين المغاربة المقيمين بالجزائر التي كان يستغلها النظام لأغراض الدعاية المعادية للمغرب، فقد تفككت بعد عودة قادتها الرئيسيين إلى المغرب.
هكذا، كان بحوزة الصحافة الجزائرية دليل اتصالات بأشخاص لا ينطقون إلا سلبا ضد المملكة، تستخدمهم لدعم خطابها حول المغرب، وهو خطاب معروف مسبقا ومكرور لا ينفذ معينه أبدا.
فكلما تدهورت العلاقة بين البلدين، تلجأ الصحافة الجزائرية إلى أدراج ورفوف مكاتبها لتسحب ما تيسر لها من احتياطي لمهاجمة المغرب على مستويات متعددة، حيث كانت الحملات تنطلق متزامنة في كل الصحف وتنتهي في ذات الوقت أيضا.
كان من الضروري انتظار عدة سنوات حتى يتمكن مراسل من أن يدس، في حيز ما، ولو في الصفحة الرياضية، إشادة عابرة بالمغرب وبما أنجزه سواء على مستوى الفلاحة أو في مجال الديمقراطية.
مقتطف من:
"المغرب-الجزائر:الحذر المتبادل. 2019.






