رأي

الصادق العثماني: الإرجاف في زمن الفتن والحروب.. تفكيك خطاب المرجفين وتهديدهم للسلم القومي في العالم العربي والإسلامي

في كل مرحلة تاريخية تعصف فيها الأزمات بالمجتمعات، يظهر نوع من الخطاب لا يكتفي بوصف الواقع أو نقده، بل يسعى إلى تضخيم المخاوف، ونشر القلق، وبثّ الشك في النفوس، حتى يتحول إلى أداة هدم داخلي أخطر من أي تهديد خارجي. هذا الخطاب هو ما عبّر عنه القرآن الكريم بمصطلح “الإرجاف”، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾، وهو ليس مجرد إشاعة عابرة أو خبر كاذب، بل منظومة فكرية ونفسية قائمة على زعزعة الثقة، وإرباك الوعي، وضرب التماسك الاجتماعي من الداخل.

إن الإرجاف، في جوهره، فعل نفسي قبل أن يكون فعلًا إعلاميًا؛ إذ يقوم على استثارة المخاوف الكامنة في الوجدان الجمعي، وتغذيتها عبر التكرار والتضخيم والانتقاء المقصود للمعلومات. والمرجفون، في هذا السياق، ليسوا دائمًا أصحاب نيات معلنة، بل قد يكونون أفرادًا أو جماعات تتقاطع مصالحهم – بوعي أو بغير وعي – مع مشاريع التفكيك والانهيار. فهم يتغذون على الأزمات، ويزدهر خطابهم في أوقات الاضطراب، لأنهم يدركون أن النفس البشرية، حين تفقد توازنها، تصبح أكثر قابلية لتصديق الخوف من تصديق الأمل.

لقد عالج الإسلام هذه الظاهرة منذ بدايات تشكل المجتمع الإسلامي، حين نزلت الآيات تحذر من الذين “يرجفون في المدينة”، وتدعو إلى ضبط الكلمة والمسؤولية في نقل الأخبار، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وهذا التحذير ليس مجرد توجيه أخلاقي، بل هو تأسيس لوعي سياسي واجتماعي عميق بخطورة الكلمة، وبأن الأمن ليس فقط أمنًا عسكريًا أو ماديًا، بل هو أيضًا أمن نفسي ومعنوي. فحين يفقد الناس الثقة في أنفسهم وفي مجتمعاتهم، يصبحون عرضة للتفكك حتى لو لم يتعرضوا لهجوم مباشر.

وفي السنة النبوية تأكيد واضح على خطورة التسرع في نقل الأخبار، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: “كفى بالمرء كذبًا أن يُحدّث بكل ما سمع”، وهو توجيه دقيق يضع حدًا للفوضى المعلوماتية التي تُعدّ البيئة الخصبة للإرجاف. كما قال عليه الصلاة والسلام: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت”، وهو ميزان أخلاقي يضبط الخطاب ويمنع تحوله إلى أداة هدم.

وفي السياق العربي والإسلامي المعاصر، يتخذ الإرجاف أشكالًا أكثر تعقيدًا، مستفيدًا من تطور وسائل الاتصال وانتشار المنصات الرقمية. فقد لم يعد المرجف بحاجة إلى منبر تقليدي أو وسيلة إعلام رسمية، بل يكفيه حساب على شبكة اجتماعية ليبث رسائله إلى آلاف وربما ملايين المتلقين. وهنا تتضاعف الخطورة، لأن سرعة انتشار المعلومة – أو الشائعة – تفوق قدرة العقل الجمعي على التحقق أو التمحيص، مما يجعل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ أكثر راهنية من أي وقت مضى.

ولا يقف الأمر عند حدود نشر الأخبار الكاذبة، بل يتجاوز ذلك إلى صناعة سرديات كاملة تقوم على التشكيك في كل شيء: في المؤسسات، في القيم، في التاريخ، وفي المستقبل. وهذا النوع من الخطاب يولد حالة من “العدمية النفسية”، حيث يفقد الإنسان ثقته في أي إمكانية للإصلاح أو التغيير، فينصرف إلى السلبية أو الانسحاب أو حتى التدمير الذاتي. وهنا يتحقق أخطر أهداف الإرجاف: تحويل المجتمع من كيان حي قادر على المقاومة إلى مجموعة من الأفراد المتفرقين نفسيًا ومعنويًا.

ومن الناحية الفلسفية، يمكن النظر إلى الإرجاف بوصفه تعبيرًا عن خلل في علاقة الإنسان بالحقيقة. فالمرجف لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن التأثير، ولا يقيس صدق الخبر بميزان البرهان، بل بقدرته على إثارة الانفعال. وهذا يعكس انزياحًا من “عقلانية المعرفة” إلى “عاطفية الإدراك”، حيث يصبح الشعور بالخوف أو الغضب بديلًا عن الفهم والتحليل. وفي هذا السياق، يفقد العقل وظيفته النقدية، ويتحول إلى أداة تبرير لما يُبثّ إليه من رسائل، في تعارض صريح مع المنهج القرآني القائم على التعقل والتدبر.

أما من الناحية الإسلامية، فإن الإرجاف يتناقض مع مبدأ “التثبت” الذي يُعدّ من أسس المنهج القرآني في التعامل مع الأخبار، ويتعارض كذلك مع تحريم إشاعة الفاحشة في المجتمع، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فالإرجاف، في كثير من صوره، لا يقتصر على نقل الكذب، بل يشمل نشر كل ما يضر بالمجتمع ويهدم سمعته ويزرع فيه الفتنة.

إن المرجفين، في كثير من الأحيان، يتخفون وراء شعارات الحرية أو النقد أو كشف الحقيقة، لكن الفارق بين النقد والإرجاف فارق جوهري. فالنقد يسعى إلى الإصلاح من خلال التشخيص الدقيق والاقتراح المسؤول، بينما الإرجاف يسعى إلى الهدم من خلال التعميم والتضخيم وإثارة الشكوك دون تقديم بدائل. النقد يبني الثقة حتى وهو يكشف الأخطاء، أما الإرجاف فيهدم الثقة حتى وهو يتحدث عن الحقائق.

وفي ظل التحديات التي تواجه العالم العربي والإسلامي، من صراعات سياسية واقتصادية وثقافية، يصبح الإرجاف أداة خطيرة لتفكيك ما تبقى من تماسك. إذ يكفي أن تنتشر شائعة عن انهيار اقتصادي أو صراع داخلي حتى تبدأ ردود الفعل المتسلسلة التي قد تؤدي إلى تحقق الشائعة نفسها. وهنا يتحول الإرجاف إلى “نبوءة تحقق ذاتها”، حيث لا يكون الخطر في الواقع بقدر ما يكون في التصورات التي تُبنى حوله.

ولا يمكن إغفال البعد الخارجي في تغذية ظاهرة الإرجاف، حيث تستغل بعض الجهات الدولية حالة الانفتاح الإعلامي لبث رسائل موجهة تستهدف زعزعة الاستقرار في دول معينة. لكن الخطورة الحقيقية تكمن في القابلية الداخلية لتلقي هذه الرسائل وتداولها، وهو ما يعيدنا إلى ضرورة بناء وعي نقدي قادر على التمييز بين المعلومة والتحريض، وبين الخبر والتحليل، وبين الحقيقة والتلاعب.

إن مواجهة الإرجاف لا تكون فقط عبر القوانين أو الرقابة، بل عبر بناء إنسان متوازن نفسيًا وفكريًا، يمتلك أدوات الفهم والتحليل، ويستند إلى منظومة قيمية راسخة. فالمجتمع الذي يتمتع أفراده بالوعي والمسؤولية يصبح أقل عرضة للتأثر بالشائعات، وأكثر قدرة على امتصاص الصدمات دون أن يفقد تماسكه، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.

وفي هذا الإطار، يبرز دور التربية والتعليم في ترسيخ ثقافة التثبت، وتعليم مهارات التفكير النقدي، وتعزيز الثقة بالنفس وبالمجتمع. كما يبرز دور العلماء والمفكرين في توجيه الخطاب العام نحو العقلانية والاتزان، بدل الانجرار وراء الإثارة والتهويل. فالكلمة، كما يمكن أن تكون أداة هدم، يمكن أيضًا أن تكون أداة بناء إذا استُخدمت بوعي ومسؤولية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يُلقي لها بالًا يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب”.

إن الإرجاف، في النهاية، ليس قدرًا محتومًا، بل هو ظاهرة يمكن فهمها ومواجهتها. لكنه يتطلب شجاعة فكرية لمساءلة الخطاب السائد، ووعيًا جماعيًا بخطورة الاستهانة بالكلمة، وإدراكًا عميقًا بأن أمن الأوطان لا يُبنى فقط بالجيوش والاقتصاد، بل يُبنى أيضًا بالثقة والوعي والتماسك الداخلي.

وإذا كان العالم العربي والإسلامي يسعى إلى تحقيق نهضة حقيقية، فإنه لا بد أن يضع في أولوياته محاربة هذا النوع من الخطاب الذي ينخر في جسد الأمة من الداخل. فالأمم لا تسقط فقط بفعل الأعداء، بل قد تسقط حين تفقد ثقتها بنفسها، وحين تسمح للمرجفين بأن يكونوا صوتها الأعلى.

إن معركة الوعي، في هذا السياق، هي المعركة الحقيقية، لأنها تحدد كيف يرى الإنسان واقعه، وكيف يتفاعل معه، وكيف يصنع مستقبله. وإذا انتصر الوعي، خسر الإرجاف، واستعادت الأمة قدرتها على الوقوف بثبات في وجه التحديات، وصناعة مستقبلها بثقة وأمل.