مجتمع وحوداث

عَنِ الأُسْتَاذِيَّةِ الزَّائِفَةِ… وَالتَّبْخِيسِ بِاسْمِ الْوَطَنِيَّةِ

يوسف اغويركات (فاعل حقوقي)

يطفو في الفضاء الرقمي نموذج "الأستاذ الجامعي المستهلَك"، الذي استبدل مدرجات العلم ومخابر البحث بضجيج التدوين اليومي، فحوَّل الصفة الأكاديمية من التزام معرفي ومسؤولية أخلاقية إلى مجرد واجهة للتسلق وتصفية الحسابات الإيديولوجية. فالأستاذية، في جوهرها، إنتاج للمعرفة، وتدقيق في المناهج، وإسهام رصين في البحث العلمي، أما الارتهان لمنطق "اللايكات"، عبر تدوينات متلاحقة تعجّ بالأخطاء والضحالة، فليس إلا تفريغا للصفة من مضمونها، بل انتحالا لها.

ويزداد الأمر خطورة حين ينزلق هذا النموذج إلى خطاب التنمّر، مستعيضا عن الحجة بالسخرية، وعن النقاش العلمي بالتصنيف القدحي. إن استعمال أوصاف استهزائية من قبيل "الكوفيون" لا يكشف إلا عن عجز فكري يهرب من منازلة الأفكار إلى تبخيس الرموز. فالكوفية ليست مجرد لباس، بل صارت رمزا كونيا لمقاومة الظلم، يدينه شرفاء العالم وعقلاء الإسرائيليين أنفسهم، واختزالها في مادة للسخرية يُفصح عن ضيق في الأفق لا عن قوة في الموقف. ومن يرى في كل متضامن مع فلسطين، أو رافض للعدوان على إيران، عميلا لطهران، فهو لا يناقش بل يُسقط، وذلك دليل إفلاسه الحجاجي وليس دليل وطنيته.

أما محاولة تصوير التعاطف مع القضية الفلسطينية كتناقض مع المصلحة الوطنية، فهي مغالطة مفتعلة. فالوطنية ليست نقيضا للعدالة، بل تتقوّى بها. والمغاربة الذين ينتصرون لقضايا التحرر هم أنفسهم الأكثر تمسكا بثوابت وطنهم، لأن القيم لا تتجزأ... ومن يُفرّط في المبادئ خارج الحدود يصعب الاطمئنان إلى صدقيته داخلها. والتاريخ وحده كفيل بأن يشهد من كان في خندق الدفاع عن الوطن بصدق، ومن كان يركب الموجة تملّقا وارتزاقا.

إن أخطر ما في هذا الخطاب هو سعيه إلى احتكار الوطنية وتحويلها إلى أداة إقصاء، تُستعمل للنيل من المخالفين بدل أن تكون إطارا جامعا. فالوطنية ليست شعارا يُرفع، بل التزام يُمارس، وليست قناعا للتملّق، بل موقف أخلاقي، انتماءً وفعلاً، يُقاس بثباته في مواجهة الظلم، أيّا كان موقعه.