غير أن القراءة الدقيقة للأرقام وتطور المواقف تكشف أن ما جرى أقرب إلى انتصار كاسح لم يُحسن تسويقه، أكثر منه إخفاقاً سياسياً.
فعلياً، لا يتجاوز عدد الدول التي عارضت مشروع ترشيح ماكي صال بشكل صريح 13 دولة، وهو رقم محدود داخل منظمة قارية تضم 54 دولة. أما الدول الأخرى التي تم تقديمها ضمن “المعسكر المعارض”، وعددها خمس، فلم تعترض على الترشيح، بل طلبت مهلة إضافية للحسم، وهو موقف دبلوماسي شائع في القضايا الحساسة، يعكس التردد لا الرفض.
الأهم من ذلك أن هذا المعسكر لم يكن مستقراً؛ فقد سارعت دولتان بارزتان، هما مصر وليبيريا، إلى تعديل موقفيهما بعد ذلك، حيث سحبت القاهرة طلب التمديد، فيما تراجعت ليبيريا عن اعتراضها. هذا التطور يكشف أن ما سُمّي بـ“جبهة معارضة” لم يكن في الواقع سوى تكتل ظرفي قابل للتفكك، أكثر منه اصطفافاً سياسياً صلباً.
وإذا حاولنا استراق السمع لما يجري وراء أبواب الدبلوماسية الموصدة، نكتشف أن أغلب الدول الـ13 المعترضة كان اعتراضها لأسباب شكلية جداً، حيث انتقد بعضها “غياب التشاور” قبل إعلان الترشح. وبالتالي، فهي تنتصر لكبريائها الدبلوماسي، وهو موقف يمكن تجاوزه عبر “إشراكها” في المراحل اللاحقة، لأنه ليس اعتراضاً على الشخص أو الفكرة،بقدر ما هو اعتراض على المنهج.
في المقابل، تبقى المعطيات الأساسية واضحة؛ فهناك 35 دولة إفريقية لم تعترض على مشروع القرار. وفي سياق الاتحاد الإفريقي، لا يمكن التعامل مع هذا الرقم باعتباره مجرد “صمت”، بل هو تعبير عن قبول واسع لمرشح لا يثير رفضاً جماعياً. فالدول، حين تكون ضد مرشح، تعبر عن ذلك بوضوح، كما فعلت الدول الثلاث عشرة. أما الامتناع عن الاعتراض فيعكس، في الغالب، استعداداً ضمنياً للمضي في التوافق، أو على الأقل عدم الرغبة في عرقلة المسار.
هنا تكمن المفارقة التي طبعت هذا الملف؛ إذ جرى تضخيم وزن الدول التي عطّلت “الإجراء الصامت”، وتصويرها كجبهة ممانعة، في حين أن الواقع العددي والسياسي يشير إلى العكس. فالأغلبية الإفريقية، بصمتها أو حيادها الإيجابي، وضعت ماكي صال في موقع متقدم، بينما بقيت المعارضة محدودة العدد ومتغيرة المواقف.
الأكثر أهمية من ذلك أن هذا الجدل، رغم زخمه، لا يحسم المعركة الحقيقية؛ فاختيار الأمين العام للأمم المتحدة لا يتم داخل الاتحاد الإفريقي، بل في مجلس الأمن، حيث تتحدد موازين القوة الفعلية. وفي هذا الإطار، فإن الدول التي عارضت المشروع داخل الاتحاد لا تمتلك وزناً حاسماً في القرار النهائي، إذ لا تضم في صفوفها أعضاء دائمين في مجلس الأمن، وهم اللاعبون الأساسيون في هذه العملية.
بمعنى آخر، فإن تأثير هذه الدول يبقى محدوداً على المستوى الدولي، مقارنة بالتوازنات الكبرى التي ستحدد مصير الترشيح في نيويورك، وهو ما يعزز موقع الرئيس ماكي صال، الذي يستفيد من قاعدة إفريقية واسعة غير معترضة، دون أن يواجه في المقابل جبهة دولية قادرة على تعطيل مساره.
ما حدث داخل الاتحاد الإفريقي يمكن فهمه، إذن، كمرحلة انتقالية بين “قبول واسع” و“دعم معلن”. فالرئيس صال نجح في تثبيت نفسه كمرشح غير مرفوض قارياً، وهو شرط أساسي في أي ترشح دولي، لكنه لم يصل بعد إلى مستوى الإجماع الرسمي. ومع ذلك، فإن الاتجاه العام يشير إلى إمكانية تحويل هذا القبول إلى دعم صريح، خاصة في ظل مرونة مواقف بعض الدول.
في المحصلة، لا يعكس كسر “الإجراء الصامت” خسارة سياسية بقدر ما يعكس خللاً في قراءة النتائج. فالأرقام تميل بوضوح لصالح الرئيس صال، والمعارضة تبقى محدودة، بينما يظل الحسم النهائي خارج الإطار الإفريقي. وبين هذه المعطيات، يبرز ترشيحه اليوم أقرب إلى انتصار صامت يقترب تدريجياً من التحول إلى قرار دولي مكتمل.






