رأي

الصادق العثماني: الحب الإلهي وحقيقة العبادة في الإسلام.. قراءة فلسفية مقاصدية في جوهر الإيمان

يقول سبحانه وتعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله﴾. ليست هذه الآية الكريمة مجرد توصيف لحالة وجدانية عابرة، بل هي تأسيس قرآني عميق لطبيعة العلاقة بين الإنسان وربه؛ علاقة قوامها الحب قبل الخوف، والمعرفة قبل الطقوس، والرحمة قبل الرهبة. فالإيمان في جوهره ليس عقد إذعان نفسي قائمًا على الفزع، ولا نظامًا شعائريًا جامدًا تُقاس حقيقته بعدد الصلوات والركعات.. وإنما هو حالة وجودية يعيش فيها الإنسان معنى الاتصال بالله حبًا وشوقًا وانجذابًا إلى الكمال الإلهي المطلق .

لقد ابتُلي الفكر الديني عبر التاريخ بانحرافات جعلت كثيرًا من الناس يتصورون الله بوصفه سلطة غاضبة تترصد أخطاء البشر، حتى تحوّل الدين عند بعضهم إلى قلق دائم، وإلى خوف مرضي من العقاب، بدل أن يكون طمأنينة روحية وسكينة وجودية. والحقيقة أن القرآن حين تحدث عن الخوف لم يجعله أصل العلاقة مع الله، وإنما قرنه بالطمع: ﴿ادعوه خوفًا وطمعًا﴾، بينما جعل الحب هو المقام الأعلى: ﴿والذين آمنوا أشد حبًا لله﴾. فالخوف والطمع حالتان بشريتان مرتبطتان بمصالح الإنسان ورغباته، أما الحب فهو تجاوز للأنانية نحو التعلق بالمحبوب لذاته، لا لما يعطيه أو يمنعه .

ومن هنا نفهم سر المقولة العميقة المنسوبة إلى السيدة رابعة العدوية حين قالت: “اللهم إن كنت أعبدك خوفًا من نارك فاحرقني بها، وإن كنت أعبدك طمعًا في جنتك فاحرمني منها، وإن كنت أعبدك حبًا فيك فلا تحرمني جمالك”. فهذه الكلمات ليست خروجًا عن الدين كما يتوهم بعض السطحيين، بل هي تعبير راقٍ عن بلوغ مرتبة الإخلاص الخالص، حيث يصبح الله غاية لا وسيلة، ومحبوبًا لا مجرد مانح للثواب .

إن الإنسان حين يحب الله حقًا، لا يحتاج إلى سوط التخويف حتى يكون صالحًا، لأن الحب بطبيعته ينظف الضمير الإنساني. فالذي يحب لا يؤذي، والذي يتذوق المعنى الروحي للإيمان يستحي أن يظلم أو يغش أو يخون. ولذلك فإن جوهر العبادة في الإسلام ليس في أداء الشعائر المجردة، وإنما في الأثر الأخلاقي والإنساني الذي تصنعه هذه الشعائر داخل النفس. وقد عبّر القرآن عن ذلك بوضوح حين قال عن الصلاة: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾، وقال عن الصيام: ﴿لعلكم تتقون﴾. فالمقصود ليس مجرد الحركات أو الامتناع الجسدي، بل التحول الداخلي للإنسان نحو الرحمة والعدل والنقاء والصفاء الروحي .

أما حين تتحول العبادة إلى طقوس منفصلة عن الأخلاق، فإنها تفقد معناها المقاصدي وتصبح مجرد قشرة دينية تخفي وراءها أمراض النفس. ولذلك ترى بعض الناس يكثرون من الصلاة والذكر والحج والعمرة، لكنهم في معاملاتهم غشاشون، وفي أخلاقهم فقراء وقساة، وفي علاقاتهم منافقون، يظلمون الناس ثم يظنون أن الطقوس ستمحو آثار ظلمهم. وهذا من أخطر أشكال التدين الزائف، لأنه يجعل الإنسان يتعامل مع الله بعقلية المقايضة التجارية: يرتكب ما يشاء من الشرور ثم يظن أن بعض الشعائر ستغلق باب الحساب.

لكن الله غني عن العالمين، لا تنفعه صلاة مصلٍّ ولا صيام صائم، وإنما الذي ينتفع هو الإنسان نفسه. والقرآن يصرح بذلك بوضوح: ﴿من عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها﴾. ولذلك كان ميزان الدين الحقيقي هو أثره في سلوك الإنسان مع الخلق. فالمؤمن الصادق لا يمكن أن يكون مؤذيًا، لأن محبة الله تستلزم محبة خلقه. ومن أحب الخالق أحب المخلوقات بعين الرحمة، فلا يعتدي على إنسان، ولا يقسو على حيوان، ولا يفسد في الأرض، ولا يحتقر المختلف عنه. إن الحب الإلهي حين يسكن القلب يطهّر الإنسان من النزعات العدوانية ومن الشعور بالتفوق الكاذب على الآخرين.

ومن هنا نفهم أيضًا العلاقة العميقة بين الحب والحرية في الإسلام. فالحب لا يقبل الإكراه، لأن الإكراه يصنع الطاعة الظاهرية لكنه لا يصنع الإيمان الحقيقي. ولذلك جاءت القاعدة القرآنية الكبرى: ﴿لا إكراه في الدين﴾. فالإيمان الذي يولد من الخوف الاجتماعي أو من القهر السياسي ليس إيمانًا حيًا، بل قناع نفسي يخفي وراءه الرفض أو النفاق. إن الله يريد من الإنسان أن يأتيه حرًا، واعيًا، محبًا، لا مكرهًا ولا مذعورًا.

ولعل من أعظم الكوارث التي أصابت الوعي الديني المعاصر اختزال الدين في المظاهر الشكلية، حتى صار التدين عند البعض يقاس باللباس واللحية والغلظة والشدة في القول ورفع الشعارات، لا بصدق الإنسان ونبل أخلاقه. وهنا يظهر التناقض المؤلم بين الخطاب الديني والسلوك الواقعي؛ فكم من شخص يتحدث عن الفضيلة وهو يمارس الظلم، ويتكلم عن الطهارة وهو يلوث حياة الناس بالنفاق والنميمة والكذب والتحرش والاستغلال. إن استعمال الدين لتغطية الشهوات أو لتحقيق الهيمنة الاجتماعية هو نوع من التلاعب والتجارة بالدين، لأنه يحوّل الخطاب الإلهي إلى أداة لخدمة الأهواء البشرية.

فالذي يضايق النساء في الشوارع باسم “النصيحة”، أو يمارس الوصاية الأخلاقية على الناس بينما قلبه ممتلئ بالشهوة والعدوان، لا يعيش حقيقة العبادة، وإنما يعيش وهم التدين. إن الله لا يريد من الإنسان أن يتحول إلى شرطي على الآخرين، بل أن يبدأ بإصلاح نفسه وتطهير قلبه. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يربط دائمًا بين العبادة والرحمة، حتى قال: “الراحمون يرحمهم الرحمن”. فالرحمة هنا ليست خُلُقًا هامشيًا، بل هي التعبير العملي عن حضور الله في قلب المؤمن.

إن العبادة الحقيقية ليست انفصالًا عن الحياة، بل هي طريقة في الوجود. فحين يبتسم الإنسان في وجه أخيه محبةً فهو يعبد الله، وحين يرفع الأذى عن الطريق فهو يعبد الله، وحين يطعم جائعًا أو يحفظ كرامة إنسان أو يرحم حيوانًا فهو في مقام عبادة الله . ولذلك كان الإسلام دينًا أخلاقيًا في جوهره، لأن المقصد الأعلى للشريعة الإسلامية هو حفظ كرامة الإنسان وتحقيق الرحمة والعدل والخير .

ومن الخطأ الكبير أن نختزل الدين في صورة إله ينتظر من البشر المديح والطقوس، لأن الله كامل بذاته، لا تزيده عبادتنا شيئًا ولا تنقصه معصيتنا شيئًا. إنما أراد الله للعبادة أن تكون طريقًا لتحرير الإنسان من الأنانية والجشع والكراهية. فالصلاة الحقيقية تحرر الإنسان من عبودية المادة، والصيام الحقيقي يحرره من شهوة الاستهلاك، والزكاة تحرره من عبودية المال، والحج يحرره من وهم التمايز الطبقي. وكل عبادة لا تؤدي إلى هذا التحرر الداخلي تتحول إلى عادة اجتماعية فاقدة للروح.

ولهذا كان الحب أعلى درجات العبادة، لأنه يجعل الإنسان يفعل الخير دون انتظار مقابل. فالذي يحب الله لا يحتاج إلى مراقبة دائمة، لأنه يعيش الرقابة في قلبه. وحين يصل الإنسان إلى هذا المقام يصبح الخير جزءًا من طبيعته، لا عبئًا مفروضًا عليه. وهنا تتحقق العبودية الحقيقية؛ لا بوصفها إذلالًا للإنسان، بل بوصفها تحررًا من كل ما سوى الله تعالى.

إن الدين الذي يقوم على التخويف وحده يصنع شخصيات قلقة ومضطربة، بينما الدين الذي يقوم على الحب يصنع إنسانًا متوازنًا، رحيمًا، مطمئنًا، قادرًا على العطاء. ولذلك فإن أزمة كثير من المتدينين اليوم ليست في قلة تأدية شعائر الإسلام، بل في غياب المعنى الروحي العميق للعبادة. لقد تحولت العبادة عند البعض - للأسف - إلى أداء ميكانيكي، بينما غاب عنها الحضور القلبي والبعد الإنساني.

وفي الختام، فإن حقيقة الإيمان ليست فيما يقوله الإنسان بلسانه، وإنما فيما يصنعه الحب الإلهي في روحه وسلوكه. فحين ترى إنسانًا صادقًا، رحيمًا، متواضعًا، عادلًا، محبًا للخير، فاعلم أن في قلبه نورًا من الله، حتى وإن قصّر في بعض الشعائر الدينية. وحين ترى إنسانًا قاسيًا، حقودًا، منافقًا، يؤذي الناس باسم الدين، فاعلم أن المشكلة ليست في قلة تأدية الشعائر ، بل في غياب الحب الحقيقي لله.

إن الله لا يريد عبادًا مذعورين، بل يريد قلوبًا حية تعرفه بالمحبة، وتعبده بالرحمة، وتتقرب إليه بخدمة خلقه. وتلك هي العبادة التي تجعل الإنسان أكثر إنسانية، وتجعل الدين رسالة حياة لا مشروع خوف وكراهية. فالذي يحب الله حقًا، لا يمكن إلا أن يكون رحمة تمشي على الأرض.