أثارت لائحة المنتخب الوطني المغربي الكثير من الجدل، ليس فقط بسبب الأسماء المستدعاة، بل لأنها تعكس في العمق نقاشا أوسع حول مستقبل المشروع الكروي المغربي وطبيعة الاختيارات التقنية داخل المنتخبات الوطنية، فالكثيرون يرون أن لائحة محمد وهبي ليست سوى امتداد مباشر لمرحلة وليد الركراكي، سواء من حيث الاعتماد على العمود ذاته أو من حيث فلسفة الحفاظ على الاستقرار التقني والبشري، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الكبرى وضيق هامش التغيير.
هذا الطرح يبدو منطقيا من زاوية معينة، لأن أي مدرب لا يمكنه أن يهدم كل ما تم بناؤه دفعة واحدة، خصوصا بعد المرحلة التاريخية التي عاشها المنتخب المغربي في السنوات الأخيرة. غير أن جزءا مهما من الجماهير يرى في المقابل أن الاستمرارية تحولت أحيانا إلى نوع من الجمود، وأن بعض الأسماء لم تعد تقدم الإضافة نفسها، بينما توجد مواهب شابة تستحق فرصا أكبر داخل المنتخب.
لكن الانتقادات الحالية لا ترتبط فقط بلائحة المنتخب الأول، بل أيضا بالمناخ العام الذي تعيشه الكرة المغربية في الفئات السنية، خاصة بعد إخفاق منتخب أقل من 17 سنة، حامل اللقب الإفريقي، في تأكيد تفوقه قاريا وعلى أرضه ، رغم توفره على إمكانيات كبيرة ومواهب واعدة. هذا التعثر أعاد إلى الواجهة سؤالا حساسا يتعلق بطبيعة التأطير التقني ومدى قدرة المشروع الحالي على الاستمرار بنفس الزخم.
وفي خضم هذا النقاش، برزت بقوة مسألة الأطر الوطنية مقارنة بالأطر الأجنبية. فالسنوات الأخيرة أثبتت أن المدرب المغربي لم يعد مجرد خيار اضطراري، بل أصبح قادرا على صناعة الإنجاز وبناء شخصية تنافسية حقيقية داخل المنتخبات الوطنية. يكفي استحضار ما حققه وليد الركراكي مع المنتخب الأول، وما قدمته أسماء وطنية أخرى مثل الحسين عموتة وطارق السكتيوي ونبيل باها ومحمد وهبي داخل مختلف الفئات، حيث ظهر تطور واضح على مستوى الانضباط التكتيكي والروح القتالية والقدرة على فهم خصوصية اللاعب المغربي ذهنيا وثقافيا.
كما أن النقاش لا يمكن فصله أيضا عن ملف الاستبعاد أو الغياب المستمر لبعض الأسماء البارزة، وعلى رأسها حكيم زياش وسفيان بوفال وحضور اخرى تعاني من الاصابة ، حيث يطرح هذا التناقض تساؤلات حول طبيعة الاختيارات وحدود العلاقة بين بعض اللاعبين والخيارات التقنية. فوجود لاعبين من قيمة حكيم زياش وسفيان بوفال داخل أو خارج اللائحة لا يُقرأ فقط من زاوية تقنية، بل أيضا من زاوية الانسجام، الجاهزية، ورؤية الطاقم التقني لمستقبل المجموعة.
لذلك، فإن أي تعثر جديد، خصوصا إذا ارتبط بإطار أجنبي، قد يضع مشروع الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أمام تساؤلات حقيقية، لأن الجامعة نفسها بنت جزءا مهما من مشروعها الحديث على فكرة الثقة في الكفاءات الوطنية وتطويرها، لا الاكتفاء باستيراد الحلول الجاهزة من الخارج. وهو ما جعل نجاح المدرب المغربي يتحول من مجرد نجاح رياضي إلى رهان استراتيجي مرتبط بصورة الكرة المغربية ومستقبلها.
ومع ذلك، يبقى من الخطأ اختزال كل شيء في نظرية تدخل الجامعة أو فرض الأسماء على المدرب، لأن كرة القدم الحديثة أصبحت منظومة معقدة تتداخل فيها الاعتبارات التقنية والتسويقية والجماهيرية وحتى رهانات صورة المنتخب. فالمدرب اليوم لا يشتغل في فراغ، لكنه أيضا ليس مجرد واجهة شكلية كما يروج البعض.
وفي النهاية، فإن الإشكال الحقيقي لا يتعلق فقط بمن تمت المناداة عليهم، بل بسؤال أعمق حول جوهر المشروع الكروي نفسه، ويمكن صياغته في الأسئلة التالية:
- هل لائحة المنتخب تعكس فعلا استمرارية مشروع تقني، أم مجرد إعادة تدوير لأسماء المرحلة السابقة؟
- هل نحن أمام اختيار مبني على الاستحقاق والجاهزية، أم أن بعض الأسماء أصبحت “مضمونة” داخل المنتخب؟
إلى أي حد يمكن اعتبار إخفاق منتخب أقل من 17 سنة مؤشرا على خلل في التكوين، وليس مجرد نتيجة ظرفية؟
- هل الأطر الوطنية أثبتت فعلا أنها قادرة على قيادة المشروع الكروي المغربي بشكل مستقل ومستدام؟
- أم أن أي تعثر، خصوصا مع مدرب أجنبي، قد يعيد طرح فكرة “الخبير الخارجي” كحل جاهز؟
وأخيرا: هل تريد الجامعة منتخبا قائما على مشروع طويل الأمد وهوية واضحة، أم منتخبا يراكم النتائج فقط دون بناء عميق؟
أسئلة تبقى مفتوحة، لكنها تعكس جوهر المرحلة الحالية: مرحلة لم يعد فيها الجمهور يكتفي بالنتائج، بل أصبح يطالب بالمعنى، وبالهوية، وبالاستمرارية الحقيقية للمشروع الكروي المغربي.






