مجتمع وحوداث

سوسيولوجيا "الشناقة".. حين نذبحُ كرامتنا على مذبح المظاهر

عتيقة الموساوي​
​الحال بعد يوم العيد هو حال "الاستفاقة"؛ حين يهدأ ضجيج المجامر، ويبدأ العقل في جرد الحسابات، لا حسابات الجيوب المنهكة فحسب، بل حسابات النفوس التي أرهقناها في سباقٍ محمومٍ نحو المظاهر الزائفة.

​في اليوم الثالث للعيد، وبعد أن انقشع دخان المجامر، نجدُ أنفسنا أمام "جردٍ" قاسٍ لسلوكياتنا الجماعية. لقد انتقدنا طويلاً "الشناقة" الذين أفرغوا الأسواق والمحفظات، وهذا حق، لكن أليس فينا من تحوّل، دون أن يشعر، إلى "شناقٍ لكرامته"؟ إننا نرى البعض يصرخ ويحتج على الغلاء، وهو في قرارة نفسه يعلم أن دخله لا يسمح، ومع ذلك، يصرّ على الاكتواء بنار "الكريدي" ليقول فقط: "أنا هنا".

​أليس العيدُ تقرباً لله، لا استعراضاً للجيران؟ إننا نختبئ خلف شماعاتٍ واهية، ونغذي "أنا" مريرةً تخافُ نظرة الناس. نذبح راحة بالنا لشهورٍ متتالية لنشتري أضحيةً بمظاهرَ لا تمتُّ للدين بصلة. والأنكى أننا صرنا نصور "الكبش" ونعرض اللحم والقضبان على السوشيال ميديا قبل أن نتذوقها؛ ليتحول العيد من طقسٍ روحانيٍّ خفي، إلى "عرضٍ مسرحي" رقمي، نعيشُ في واجهاتٍ تخفي فراغاً نفسياً وكبتاً مريراً.

​أين ذهبت قيم العيد؟ لقد تحولنا إلى "آكلي لحوم"؛ صارت الثلاجة هي "الصندوق الحصين"، نكدس فيها لحوم الأضاحي وكأننا نعيش في زمن مجاعة. لقد نسينا أن جوهر العيد هو "الصدقة". في الماضي، كنا كجيرانٍ نتبادل الأطباق حباً وكرماً، نذيبُ برودة الجليد الاجتماعي، ونشعر بالمحتاج والمحروم لنكسر حدة الفوارق. اليوم، أوصدنا الأبواب، وأحكمنا خلفها أقفال الثلاجات.

​لقد افتعلنا بسلوكياتنا أزماتٍ اجتماعية خانقة، فلم تعد المسألة غلاء أسواقٍ فحسب، بل تلاشت "بوصلة الأولويات". نحن نشتري أضحيةً بأثمانٍ باهظة، بينما نهمل ضروريات التعليم والصحة، لنكون "أغنياء" في يوم العيد، و"فقراء" في باقي أيام السنة. لقد كان "بوشعيب" يذكرنا طيلة هذه الأيام بأن لا نترك "شناقة السوق" يفسدون سوقنا، ولا "أوهام التباهي" تفسد أرواحنا؛ ونسينا أن العيد لمن خاف الوعيد، لا لمن استدان ليشتري القديد.

​مؤلم حقاً، أننا بتنا جميعاً "شناقة"؛ كلٌ منا يحاول أن "يشنق" الفرحة، ويستغل الفرصة، ويراقب جاره. العيد ليس "امتحاناً" للقدرة الشرائية، بل هو "امتحان للوعي" الذي ضاع في دروب الغفلة. فربما حان الوقتُ لنكفَّ عن "شنق" أنفسنا في زيف المظاهر المصاحب للعيد، ونكتفي بقطعةِ لحمٍ طيبة، وضحكةٍ صادقة، وسترٍ يغنينا عن كلِ هذا الضجيج.