سياسة واقتصاد

الانتخابات التشريعية المقبلة مصيرية وليست ترفا سياسيا

عبد السلام المساوي
   على بعد حوالي أربعة أشهر ، ستنطلق حملة الانتخابات التشريعية التي تتوافق ومرحلة فاصلة تشهدها المملكة الشريفة ، أبرزها حسم ملف الصحراء المغربية والحكم الذاتي تحت السيادة المغربية ، والنجاح الديبلوماسي في عزل كل الجهات المعادية لمصالح الوطن ، وقيادة الملك محمد السادس ثورة هادئة في مجال الاستثمارات الكبرى وبناء الموانئ الاستراتيجية، وتجهيز البنيات التحتية الخاصة بتنظيم كأس العالم 2030 .

   وما يجعل الانتخابات البرلمانية مصيرية ، هو أن المشاريع الملكية الكبرى ، التي تهدف إلى الرفع من جودة الحياة والاهتمام بمعالجة الملفات الاجتماعية ، يجب أن تتم مواكبتها من قبل جميع الفعاليات السياسية ، وطرح الأحزاب المتنافسة لبرامج انتخابية تتسم بالجدية ، والقابلية للتنزيل وفق المعطيات الميدانية والإمكانيات المتاحة .

   فهناك العديد من القطاعات التي تحتاج إلى تشريعات جديدة ، تواكب التحولات الاجتماعية والاقتصادية ، واجتهادات في إطار احترام الثوابت الدينية والوطنية ، وتجاوز العوائق التقليدية والابتعاد عن الممارسة الشعبوية ، والاستثمار في كل نقط القوة التي صنعتها الديبلوماسية الملكية وإبداعها في تجديد علاقات دولية وفتح الآفاق بالنسبة لأخرى وفق معادلة رابح / رابح بعيدا عن الجمود الإقليمي والعقليات السياسية المتحجرة التي تجهض حلم الشعوب في التنمية .

   إن الانتخابات التشريعية المقبلة ، وجب أن تفرز فرقا برلمانية قوية ، سواء كانت في الأغلبية والمجهودات المطلوب بذلها لتحقيق التنمية ، وتنزيل التعليمات الملكية السامية لتجاوز مشاكل مغرب بسرعتين ومعالجة كافة الأعطاب الاجتماعية والحد من الفوارق المجالية ، أو في المعارضة والجدية في الانتقاد والاعتراض على السياسات العمومية ، وتقديم البدائل الحقيقية ومناقشة الأرقام والمؤشرات وليس الأشخاص والانطباعات والتشهير والتفاهة .

   لقد كان محمد السادس واضحا في خطاب العرش عندما أعلن على إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها الدستوري والقانوني العادي ، وتأكيده على ضرورة الإعداد الجيد لهذه المحطة الهامة وتعليماته لوزارة الداخلية بتنفيذ ذلك ، ما يضاعف من حجم المسؤولية الملقاة على عاتق قادة الأحزاب السياسية وتزكية وجوه قادرة على تقديم قيمة مضافة للمشهد البرلماني والحكومي .

   إن نجاح الانتخابات المصيرية ، ليس ترفا سياسيا ، بقدر ما تتطلبه المرحلة الراهنة ، كي تكون الأحزاب وجميع الفعاليات المعنية ، على أتم الاستعداد للمشاركة والمساهمة في بناء مغرب 2030 ، ومواجهة كل التحديات المستقبلية ، والوعي التام بالتقلبات الجيوسياسية ، وتقدير تبعات الحروب على اقتصاد العالم والاقتصاد الوطني ، والبحث عن المصلحة الوطنية العليا ودعمها دون تضييع للجهد في النقاشات الهامشية ، لأن المستقبل لا يرحم والتهافت الآن على المصالح ولاشيء غيرها ، ولكي يكون لنا موطئ قدم في هذا العالم يجب أن نعرف مصالحنا أولا ونعمل على تحديدها وكيفية خدمتها بكل السبل المتاحة .إن خطورة تزكية الفاسدين تؤدي إلى إضعاف جودة التشريع داخل المؤسسات التشريعية ، حيث نجد أنفسنا أمام نخب عاجزة عن مواكبة التحولات المتسارعة ، ومتخلفة بشكل كبير عن التفاعل مع السياق الدولي والإقليمي والتحديات الكبرى ، ومن جهة ثانية ، يساهم الأمر في تكريس العزوف السياسي لدى الشباب بشكل خاص ، إذ يفقد الناخب ثقته في جدوى المشاركة والتصويت ، حين يرى نفس الوجوه تستمر في نفس المناصب ، ونفس أساليب النجاح تكرر عند كل استحقاقات .

   وعوض أن يكون البرلمان فضاء للنقاش السياسي المسؤول ، والتداول في الملفات الاستراتيجية الكبرى والتشريع الرصين ، ومراقبة العمل الحكومي ، يتحول في ظل اختلالات التزكيات إلى ساحة للصراعات الهامشية والاستعراضات الفارغة ، ما يفرغ العملية الديموقراطية من محتواها الحقيقي ، فضلا عن التخلف عن مواكبة التوجيهات الملكية السامية ، والمشاريع الكبرى في إطار رؤية مغرب 2030 .

إن المرحلة الراهنة تفرض بروز قيادات سياسية قوية ، قادرة على استشراف المستقبل ، ومواجهة التحديات المعقدة التي تنتج عن الحروب الطاحنة حول المصالح ولا شيء غيرها ، وصياغة بدائل واقعية تستجيب لتطلعات المواطنين ، وذلك لن يتحقق طبعا دون الجدية في القطع مع ممارسات تزكية الفاسدين ، أو غير المؤهلين ، الذين تسهم تصرفاتهم الطائشة والصبيانية أحيانا في تحويل بعض المؤسسات التمثيلية إلى فضاءات عبثية تسيء لصورة العمل السياسي .

إن مسؤولية إنقاذ الفعل السياسي بالمملكة من العبثية ونقله إلى ساحة الجدية والوضوح والبرامج القابلة للتنزيل مسؤولية جماعية ، تتقاسمها الأحزاب والنخب والمجتمع ، وذلك كله من أجل بناء مشهد سياسي ناضج ، يقوم على معايير الكفاءة والنزاهة ، وله القدرة والمرونة بالشكل الذي يمكن من خلاله تخطي كافة الصعاب ومواجهة تحديات الحاضر وربح رهانات المستقبل .

   وفي الوقت الذي يفترض أن تقوم التزكيات على معايير الكفاءة والنزاهة والقرب من هموم المواطنين ، تكشف العديد من التجارب عن اختلالات عميقة ، حيث تطغى الحسابات الضيقة ، وتحسم الاختيارات أحيانا بمنطق الولاءات الشخصية ، أو النفوذ المالي ، أو التوازنات الداخلية الهشة ، وهنا تكمن الخطورة ، لأن التزكية تتحول إلى مكافأة بدل أن تكون مسؤولية ، وإلى صفقة بدل أن تكون تفويضا شعبيا مؤطر بقيم الديموقراطية .

   إن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بمن سيحصل على التزكية ، بل بكيفية منحها ، وبالرسائل التي تبعثها الأحزاب إلى المجتمع ، فإما أن تكون هذه العملية مدخلا لاستعادة الثقة المفقودة بين المواطن والعمل السياسي ، عبر تقديم كفاءات نزيهة وقادرة على الترافع الجاد عن قضايا الوطن والمواطنين ، وإما أن تتحول إلى عامل إضافي يساهم في تعميق أزمة العزوف الانتخابي ، وترسيخ صورة سلبية عن العمل الحزبي .

   لذلك فإن التزكية الحزبية ليست مجرد ورقة عبور إلى الانتخابات ، بل هي شهادة سياسية وأخلاقية تمنح باسم الحزب يفترض أنه يحمل مشروعا مجتمعيا ، لكن الواقع يكشف أن بعض الأحزاب السياسية ابتعدت عن مهامها الدستورية في تأطير المواطنين واستقطاب الشباب لادماجهم في العمل السياسي ، وتحولت معظم الأحزاب إلى " بوتيكات " انتخابية تفتح أبوابها في كل مناسبة انتخابية ، لتوزيع التزكيات ، التي أصبحت تدر على البعض أموالا طائلة ، كما تتحول في باقي السنوات الفاصلة بين المناسبات الانتخابية إلى ما يشبه شركات للترقي الطبقي للمستفيدين من " الريع الحزبي " .

  إن اللحظة تفرض على الأحزاب أن ترتقي إلى المسؤولية التاريخية ، وأن تجعل من التزكيات عنوانا للشفافية والاستحقاق ، لا بوابة للريع السياسي ، لأن معركة الثقة تبدأ من هنا ، من داخل الأحزاب ، قبل أن تحسم في صناديق الاقتراع .