وثيقة المجلة الدبلوماسية الفرنسية 1905: استياء فرنسي من زيارة إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني لطنجة خوفاً على مصالحها مع المملكة المغربية
تضعنا المقالة الافتتاحية للصحافي روني بونتييل (René Pontuel)، المنشورة في "المجلة الدبلوماسية" بباريس بتاريخ 9 أبريل 1905، أمام واحدة من أدق القراءات الفرنسية المعاصرة لزيارة الإمبراطور غليوم الثاني لطنجة. فهذه الوثيقة لا تنقل الخبر فحسب، بل تعكس حالة الاستياء الدبلوماسي الفرنسي من خطوة ألمانية وُصفت بأنها "استفزازية"، وجاءت لتهدد الترتيبات التي كانت فرنسا تظن أنها حسمتها لضمان مصالحها وانفرادها بالملف المغربي.
وينقل لنا التفريغ الحرفي للنص قلق الدوائر الفرنسية من هذا الاختراق المفاجئ، حيث ورد فيه:
"La manifestation faite par l'empereur d'Allemagne au Maroc a suscité une émotion légitime... Ce fut comme l'ouragan qui surgit brusquement dans un salon bien ordonné."
(إن الاستعراض الذي قام به إمبراطور ألمانيا في المغرب قد أثار انفعالاً مشروعاً... لقد كان الأمر أشبه بإعصار اقتحم فجأة صالوناً شديد الترتيب).
وتكشف الوثيقة عن جوهر الاستياء الفرنسي.
فباريس التي قضت سنوات في توقيع "أكداس من المخطوطات" والاتفاقات السرية (خاصة اتفاق 8 أبريل 1904 مع إنجلترا) دون إشراك ألمانيا، وجدت نفسها أمام إمبراطور يرفض "تجاهله" ويصر على الحضور جسدياً في طنجة. ويعترف روني بونتييل بأن هذا الفعل الألماني جاء ليفسد الخطة التي رتبتها الدبلوماسية الفرنسية بعناية، مؤكداً أن الخطاب الألماني في طنجة كان موجهاً بالأساس لعرقلة النفوذ الفرنسي، حيث نصت الوثيقة:
"...il n'est pas possible de ne pas l'envisager comme un acte dirigé contre l'influence française au Maroc."
(...ليس من الممكن عدم اعتبار هذا الفعل عملاً موجهاً ضد النفوذ الفرنسي في المغرب).
وتبرز الأهمية التاريخية لهذا النص في رصده لـ "الندية المغربية" التي تجلت في استقبال الإمبراطور؛ فبينما تحاول المقالة التقليل من شأن الزيارة بوصفها "عرضاً مسرحياً"، إلا أنها تقر بأن المغاربة استقبلوا غليوم الثاني بحفاوة، ورأوا في "برنسه الحريري" (beau burnous) رمزاً لدعم دولي لسيادة السلطان. هذا الاستقبال المخزني والشعبي في طنجة هو ما أثار حفيظة فرنسا، التي كانت تخشى أن تؤدي هذه الزيارة إلى تشجيع "المخزن" على رفض برنامج "الإصلاحات" الفرنسي (التغلغل السلمي) والتمسك باستقلال المملكة الكامل.
إن وثيقة روني بونتييل تعترف صراحة بأن فرنسا، رغم تحالفاتها مع إسبانيا وإيطاليا وإنجلترا، باتت مضطرة لمواجهة واقع جديد فرضته زيارة طنجة؛ وهو أن المغرب بلد له سيادة معترف بها دولياً، ولا يمكن حسم مصيره في غرف مغلقة. وتخلص المقالة إلى أن "هدوء" الحكومة الفرنسية كان محاولة لمداراة القلق على المصالح الاقتصادية والسياسية التي باتت مهددة بسياسة "الباب المفتوح" التي طالب بها الإمبراطور الألماني.
إن هذا الاستياء الفرنسي، المسجل في صفحات "المجلة الدبلوماسية"، هو اعتراف تاريخي بذكاء المناورة التي قادها المغرب بتنسيق مع ألمانيا لتدويل قضيته.
لقد أثبتت وثائق أبريل 1905 أن سيادة المملكة المغربية كانت الصخرة التي تكسرت عليها طموحات الانفراد الاستعماري، محولةً رحلة الإمبراطور من مجرد "زيارة قصيرة" إلى وثيقة دولية ثبتت استقلال الإمبراطورية الشريفة أمام العالم.
◾️ المرجع التوثيقي للحلقة:
* المصدر: مقال "المسألة المغربية" (La Question du Maroc) للصحافي روني بونتييل René Pontuel .
* المجلة: "La Revue diplomatique" (المجلة الدبلوماسية) - باريس.
* التاريخ: عدد أبريل 1905.








