تبدو الكتابة لدى العديدين أنها مجرد تواصل لغوي أو مهارة تُكتسب كباقي الحِرف. لكن الحقيقة أن الكتابة هي شكل من أشكال العزلة الوجودية، طريقة الكاتب في الاحتماء بنفسه من الضجيج العام، ومحاولة لترميم الانكسارات التي يتركها العالم داخله. كل كتابة إبداعية تبدأ غالبًا من جرحٍ أو خلل ما لم يجد لنفسه لغةً كافية في الحياة اليومية، ومن شعور دفين بأنّ الإنسان المبدع، مهما أحاط نفسه بالبشر، يبقى وحيدًا في جوهره، وأنّ الكلمات محاولة لإقامة جسر فوق هاوية الذات.
ليست الكتابةُ مهنةً ولا هوايةً راقية كما تحبّ الثقافة البورجوازية أن تصفها في حفلات التوقيع المضيئة. الكتابة، في أصلها العاري، شكلٌ من أشكال الإنصات للداخل العميق. إنّها الطريقة التي يخترع بها الإنسان معنىً. لذلك لم يكن الكتّاب الكبار أكثر الناس سعادة، بقدر ما كانوا أكثرهم قدرةً على تحويل العطب الداخلي إلى لغة. كلُّ نصّ حقيقي هو أثرُ معركةٍ خفيّة بين كائنٍ هشّ والعالم.
ليست العزلة شرطًا تقنيًا للكتابة، إنها شرطها الأنطولوجي. فالكاتب ينعزل لأنّه يرى ما لا يستطيع الآخرون رؤيته بسهولة. العزلة هنا نوع من التورط الأكثر خطورة فيه أنّ الكاتب الحقيقي يهرب من اللغة المستعملة بين البشر.. من اللغة الميتة، الجاهزة، المكرورة، تلك التي تُخفي أكثر مما تكشف. ولذلك كان عليه أن يبتكر مسافة بينه وبين العالم كي يسمع صوته الداخلي وهو يتشكل ببطء، مثل ماءٍ يتسرّب في الأعماق. ففي الصمت يبدأ الإنسان بسماع ارتطام روحه بجدرانها الداخلية.
في الحياة اليومية، يعيش الإنسان وسط طوفان من العلاقات، لكنه نادرًا ما يلتقي ذاته. يتحدث الناس كثيرًا كي لا يسمعوا هشاشتهم، ويملؤون الوقت بالضجيج كي لا يواجهوا ذلك الفراغ البارد الذي يسكنهم. أمّا الكاتب فيرتكب خيانة كبرى ضد هذا النظام الجماعي: يختار أن يصمت ليسمح بحضور الأسئلة. ولهذا كانت الكتابة دائمًا ابنة الصمت الطويل.
كلّ كتابة حقيقية هي شكل من أشكال الإنصات لما يتداعى في الداخل، لما ينهار بصمت، لما لا يستطيع المبدع قوله باللغة اليومية المستهلكة. ولذلك يبدو الكاتب، في جوهره، كائنًا مزدوجًا: يعيش بين الناس بجسده، لكنه يقيم روحيًا في مكان آخر، مكان لا تصل إليه المجاملات اليومية ولا الحوارات العابرة. إنّه يحمل داخله دائمًا غرفة مغلقة، غرفة لا يدخلها أحد، حتى الذين يحبهم، مثل ما كان الأمر عليه في غرف تحميض الأفلام السالبة..
لهذا السبب تحديدًا، كان كبار الكتّاب شديدي الالتباس في علاقتهم بالعالم. إنهم يحتاجون الحب لكنهم يخافون من الألفة الزائدة، يحتاجون الآخرين لكنهم يشعرون بالاختناق حين يقترب العالم منهم أكثر مما ينبغي. فالعزلة بالنسبة إليهم ليست رفاهية رومانسية ولا برجا عاجيا، إنها ضرورة دفاعية ضد تسرب الضوء إلى الغرفة المغلقة. الكاتب الذي يفقد قدرته على العزلة يفقد تدريجيًا قدرته على الرؤية، لأنّ الكتابة تولد في تلك المنطقة المعتمة بين الذات ونفسها.
لقد فهم نيتشه هذا مبكرًا حين رأى أنّ كل فكر عظيم يولد في الجبال العالية، بعيدًا عن القطيع. وفهمه كافكا بطريقة أكثر رعبًا حين اعتبر الكتابة نوعًا من الصلاة السوداء، أو حفراً دائمًا في الجسد. أما سيوران، فقد ذهب أبعد من ذلك حين رأى أنّ الكاتب الحقيقي شخص نجا من انهياره عبر اللغة. فالكتابة ليست احتفالاً بالحياة كما يُقال كثيرًا، إنها تفاوض مستمر مع العدم.
يبدو العالم الحديث، في جوهره، عالما ضد الكتابة العميقة، لأنه عالم ضد العزلة. لقد تحوّل الإنسان المعاصر إلى كائن مطارد باستمرار: هواتف وشاشات، محادثات، صور، تدفق لا ينتهي من المعلومات، ثرثرة وضجيج... لم يعد هناك فراغ كافٍ لكي تنضج الفكرة، ولا صمت كافٍ لكي يسمع الإنسان صوته الداخلي أو صوت الجموع التي تعبره في كامل صفائها. إنّ أخطر ما فعله العصر الحديث هو تدمير القدرة على الانفراد بالنفس حتى صار الإنسان يخشى الوحدة كما لو كانت مرضًا مزمنا، بينما كانت في الأزمنة القديمة طريقًا للحكمة.
لكن الكاتب الحقيقي يظل مقاومًا لهذا الخراب. إنّه آخر من يدافع عن التأمل، عن الحق في الاختفاء المؤقت من العالم. لذلك فالكتابة فعل عصيان ضد زمن الاستهلاك السريع. حين يكتب الإنسان بعمق، فإنه يعلن بطريقة غير مباشرة أنّ الحياة ليست مجرد سباق نحو الإنتاج، وأنّ الروح تحتاج إلى عتمتها الخاصة كي لا تتحول إلى آلة.
ولذلك فإنّ علاقة الكاتب بالعزلة ليست دائمًا علاقة مريحة. فالعزلة تلتهم أيضًا. هناك لحظة يتحول فيها الانزواء إلى حفرة عميقة، ويصبح الكاتب أسير خوائه الداخلي. كثير من الكتّاب الكبار دفعوا ثمنًا نفسيًا باهظًا لأنهم اقتربوا أكثر مما ينبغي من أعماقهم. فالإنسان لا يخرج دائمًا سالما من نفسه. لأن الكتابة ليست نزهة رومانسية في حديقة الروح، إنها مغامرة محفوفة بالخطر. وكل نص حقيقي يحمل داخله أثر المعركة التي خاضها صاحبه مع الظلال التي تسكنه.
يكتب الكاتب لأنه يحاول ألا يغرق في هاوية العالم. هناك شيء ما في داخله يفور باستمرار، واللغة تصبح طريقته الوحيدة لترتيب الفوضى. إنّ النصوص الجميلة عادة هي تلك التي تحمل هشاشة الكاتب الإنسانية، خوفه، ضعفه، وتردده أمام العالم. وتصبح العزلة تحوّلًا في طريقة الوجود. يعيش الكاتب دائمًا على هامش العالم، حتى وهو وسط الحشود. هناك شيء داخله يبقى منفصلًا، يراقب بدل أن يندمج تمامًا. كأنّ الكتابة تتغذّى من المسافة الباردة بين الذات والعالم. وأخطر ما يمكن أن يحدث للكاتب هو التكيف الكامل مع العالم. حين يصبح منسجمًا تمامًا مع الواقع، يفقد توتره الداخلي، وتفقد الكتابة ضرورتها. لأن الكتابة الحقيقية دائمًا ابنة نقصٍ ما، أو فقدانٍ ما، أو شعور خفي بأنّ العالم ليس في مكانه الصحيح. إن ما يميز الكاتب الحقيقي عن باقي الناس الآخرين، أنه يملك حساسية أعلى تجاه التشقق الكامن في ذاته وفي أشياء العالم وعلاقات البشر.
وربما لهذا السبب أيضًا، تبدو الكتابة محاولة للعثور على بيت رمزي. فالكاتب، مهما تنقّل بين المدن والعلاقات والأمكنة، يشعر بأنّ انتماءه الحقيقي يحدث داخل اللغة. تصبح الكلمات وطنًا مؤقتًا لكائن لا يشعر بالاستقرار الكامل في العالم. ولهذا فإنّ الكتابة محاولة لبناء صحبة خفية مع الذات وقلقها.
لا يكتب الكاتب كي يصبح مشهورًا، ولا كي يملأ رفوف المكتبات. تلك مجرد نتائج عابرة وعرضية قد تحدث أو لا تحدث. الكتابة، في أعمق مستوياتها، محاولة لفهم هذا الكائن الغامض الذي نحمله داخلنا. محاولة لإضاءة جزء صغير من العتمة. ولذلك فإنّ كل نص إبداعي يحمل في داخله هذا التناقض المؤلم: إنّه صرخة موجّهة إلى العالم لا تُكتب إلا في عزلة كاملة.
تظل الكتابة، رغم كل شيء، أكثر أشكال الوحدة نبلًا. لأنّ الكاتب حين ينعزل، لا يفعل ذلك كي يحتقر العالم والناس، بل كي يعيدهم إلينا أكثر عمقًا، وأكثر صدقًا، وأكثر إنسانية. تبدو الكتابة دائمًا قريبةً من التصوف ومن الجنون معًا. يعتزل المتصوف العالم كي يقترب من المطلق، ويعتزل الكاتب العالم كي يقترب من جرحه. كلاهما يدخل العتمة بحثًا عن شيء لا اسم نهائيًا له. لكن الفرق أنّ المتصوف يعود غالبًا بيقينٍ ما، بينما يعود الكاتب بمزيدٍ من الأسئلة. فالكتابة ليست طريقًا إلى الطمأنينة.. إنّها تعميقٌ للقلق بطريقة أكثر أناقة.
منذ اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان بالكتابة حقًا، يصبح غريبًا عن العالم الذي كان يعرفه. الأشياء نفسها تبقى في أماكنها، لكن معناها يتغيّر. الكاتب يُبتلى بالرؤية. وهذه لعنة أكثر مما هي موهبة. فأن ترى أكثر يعني أن تتألم أكثر. لذلك كان معظم الكتّاب الكبار أشخاصًا يصعب عليهم العيش ببساطة داخل الحياة اليومية. إنهم يحملون حساسية زائدة تجاه التفاصيل الصغيرة التي يمرّ بها الآخرون دون انتباه.
الكتابة أيضًا شكل من أشكال الخطر والعزلة ليست دائمًا نبيلة كما يصوّرها الأدب الرومانسي.. الكاتب الذي يبالغ في الإصغاء إلى نفسه قد يتحول إلى سجين لمراياه. والإنسان لا يخرج سالمًا دائمًا من أعماقه. كل نزول حقيقي إلى الذات يقتضي احتمال مواجهة الوحوش القديمة المختبئة هناك: الخوف، الإحساس بالنقص، الرغبات المعتمة، والذكريات التي لم تمت بل غيّرت شكلها فقط.. لنتذكر أورفيوس والعالم الهاديسي.
الكتابة الحقيقية تبدأ حين يكفّ الإنسان عن الكذب على نفسه. وهذا أصعب أشكال العزلة. فمعظم الناس يستطيعون الانفصال عن الآخرين لبعض الوقت، لكن القليل فقط يستطيعون الجلوس طويلًا أمام حقيقتهم دون أن يهربوا. الكاتب يفعل ذلك بالنيابة عن الجميع. يجلس في مواجهة هشاشته، ثم يحاول أن يمنحها شكلًا لغويًا يمكن احتماله.
إنّ كل كتابة أصيلة تحمل شيئًا من الاعتراف، حتى لو كانت رواية خيالية أو نصًا فلسفيًا مجردًا. هناك دائمًا ذاتٌ تحترق خلف الكلمات. ليست الكتابة لعبة تقنية، إنها تعرية روحية. وما الأسلوب إلا الطريقة التي يختار بها الكاتب أن يضع قناعه فوق جرحه. لكن المأساة الأعمق هي أنّ الكاتب، رغم عزلته، لا يستطيع الاستغناء عن الآخرين تمامًا. إنّه ينعزل كي يكتب، ثم يكتب كي يجد قارئًا يشبهه. كل كتاب هو رسالة موضوعة داخل زجاجة، تُرمى في بحر الزمن على أمل أن يعثر عليها شخص مجهول ذات يوم ويقول في سرّه: "هذا الشخص أحس بوحدتي".
وربما هنا يكمن المعنى الأكثر إنسانية للكتابة: أنّها تحوّل الوحدة الفردية إلى خبرة مشتركة. الكاتب يمنح عزلة البشر لغة، وحين تمتلك المعاناة صوتا تصبح أقل وحشية. لذلك لا نقرأ الأدب لنهرب من أنفسنا، بل كي نتحملها بشكل أفضل. وهذا ما يجعل الأدب مؤلمًا ونبيلًا في الوقت نفسه: أنّه يولد من أكثر مناطق الإنسان هشاشة، ثم يمنح الآخرين قوةً غامضة على الاستمرار.






