أثار القرار الصادر عن غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالعيون، والقاضي باعتبار بعض الملفات جاهزة رغم توقف المحامين عن ممارسة مهام الدفاع، نقاشا واسعا داخل الجسم المهني.
وقد انقسمت الآراء بين من اعتبره مساسا بحق الدفاع، ومن اعتبره حماية للمحاكمة العادلة في بعدها المتعلق بالفصل في القضايا داخل أجل معقول.
وبعد الاطلاع على التعليل الكامل للقرار، أجد نفسي مؤيدة لما انتهت إليه المحكمة، ليس من باب الانتصار للقضاء على حساب الدفاع، وإنما لأن التعليل جاء منسجما مع المبادئ الدستورية التي تحكم سير العدالة، ولأن المحكمة وجدت نفسها أمام وضع استثنائي لم يسبق أن نظم المشرع آثاره تنظيما صريحا.
فالمحكمة لم تقل إن حضور الدفاع غير ذي أهمية، ولم تنتقص من رسالة المحاماة،
وإنما سجلت أن الملف ظل مؤجلا لأشهر، وأن جميع محاولات تعيين محامين في إطار المساعدة القضائية باءت بالفشل، وأن توقف المحامين عن ممارسة مهامهم لم يكن محدد الأجل،
ولا تستطيع المحكمة أن تجعل الدعوى العمومية رهينة بظرف مجهول النهاية.
ومن هنا، مارست المحكمة ما خوله لها الدستور من سلطة الموازنة بين ضمانتين دستوريتين؛ حق الدفاع، والحق في المحاكمة داخل أجل معقول، مستحضرة المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والفصول 117 و118 و120 و154 من الدستور،
لتنتهي إلى أن استمرارية المرفق القضائي، في هذه الظروف، تقتضي مواصلة السير في الدعوى وعدم إبقائها معلقة إلى أجل غير معلوم.
وفي تقديري، فإن هذا التعليل متين قانونا، لأنه لا يهدر حق الدفاع، وإنما يواجه أزمة مرفقية غير مسبوقة، ويمنع أن تتحول العدالة إلى مرفق معطل بسبب ظرف لا يملك القضاء إنهاءه.
غير أن هذا القرار يدفعني، كمحامية، إلى وقفة صريحة مع الذات.
لقد أصبح يتأكد لي، يوما بعد يوم، أن قرار التوقف عن ممارسة المهام، بالشكل الذي اتخذ به، لم يكن القرار السليم.
وأقول ذلك بكل مسؤولية، وبكل احترام للمؤسسات المهنية التي أصدرت بلاغات التوقف، والتي امتثلنا لها أدبا واحتراما للمؤسسات، لا اقتناعا دائما بجدواها.
فأنا لا أعارض النضال، بل أؤمن أن النضال جزء من هوية المحامي، وأن الدفاع عن استقلال المهنة واجب لا يقبل المساومة.
لكن النضال، في المقابل، لا يكون مفتوحا إلى ما لا نهاية، ولا يكون دون أهداف دقيقة، ولا دون تحديد المطالب القانونية محل الخلاف، ولا بعد أن يكون المسار التشريعي قد بلغ مراحله المتقدمة، وأصبح المشروع يناقش داخل البرلمان، ثم يحال على المحكمة الدستورية.
لقد كان الأولى، في نظري، أن تنتقل المعركة إلى ساحة الترافع القانوني والمؤسساتي، وأن ينصب النقاش على المواد المختلف بشأنها، مادة مادة، وحكما حكما، بدل الاكتفاء بشعار التوقف العام، الذي طال أمده، وغابت عنه البوصلة، حتى أصبح كثير من المحامين أنفسهم يختلفون حول ما الذي يرفضونه تحديدا.
بل إن الواقع كشف أن مشروع قانون المحاماة لم يكن محل رفض موحد.
فهناك مواد يؤيدها بعض المحامين ويعارضها آخرون، وهناك من يطالب بحذف مقتضيات يتمسك بها غيره، ومن ثم لم يكن هناك، في الحقيقة، إجماع مهني على مضمون المشروع، وإنما كان هناك إجماع على احترام قرارات المؤسسات المهنية.
ومع مرور الوقت، بدأت آثار هذا التوقف تظهر بوضوح.
خسر المحامون جانبا من ممارستهم المهنية، وتأثرت أوضاعهم الاقتصادية، والأهم من ذلك أن المتضرر الأول كان المواطن، وخاصة المعتقل الذي ينتظر من محاميه أن يكون إلى جانبه، وأن يؤدي رسالته التي أقسم عليها.
و لا أستبعد أن تسهم المحكمة الدستورية، وهي تنظر في مشروع قانون المحاماة، في ترسيخ المبادئ الدستورية التي تؤكد أن العدالة مرفق دستوري لا يجوز أن يتوقف إلى أجل غير معلوم،
وأن ممارسة الحقوق والحريات، مهما كانت مشروعيتها، ينبغي أن تتم في إطار يحافظ على انتظام سير المؤسسات.
ولعل ما يزيد من قناعتي أن معارك أكثر أهمية مرت أمامنا دون أن نستثمرها بالقدر الكافي.
فقد مر مشروع قانون المسطرة المدنية، الذي سيدخل حيز التنفيذ في 24 غشت، بما يحمله من مقتضيات تمس ممارسة المحامي اليومية .
كما مر مشروع قانون المسطرة الجنائية، بما يتضمنه من تحولات جوهرية تمس الدفاع والحريات، وكان من الأولى أن يكون الترافع العلمي والمؤسساتي حولهما في صدارة أولوياتنا.
أما اليوم، وبعد أن وصل مشروع قانون المهنة إلى مراحله الدستورية، فإن استمرار التوقف، دون أفق واضح، ودون أهداف محددة، لم يعد، في تقديري، يحقق مصلحة المحاماة، ولا مصلحة المتقاضين.
وأقولها بكل صدق، وبكل وفاء للقسم الذي أديته.
لقد امتثلت لقرار التوقف، احتراما لمؤسساتي المهنية، لكنني لم أكن، ولا أزال، مقتنعة بسلامة هذا الخيار.
لأن رسالة المحاماة، في جوهرها، تقوم على الحضور إلى جانب الإنسان، وعلى مؤازرته، وعلى الدفاع عنه، قبل أن تكون وسيلة للضغط أو للاحتجاج.
ومع ذلك، فإنني أرفض أن يفهم من هذا الكلام أن المحامين تخلوا عن موكليهم بإرادتهم.
فذلك غير صحيح، ويجافي أخلاقيات المهنة.
لقد كان هذا التوقف، بالنسبة لجميع المحامين، غصة في القلب، وحرقة في الضمير، وألما حقيقيا عاشه كل محام وجد نفسه بعيدا عن المكان الذي أقسم أن يكون فيه إلى جانب موكله، مدافعا عن حريته وكرامته.
ولهذا، أتوجه باعتذار صادق إلى جميع مؤازري المعتقلين، وإلى أسرهم وعائلاتهم. وأقول لهم إن هذا الغياب لم يكن يوما تخليا عنكم، ولا تنصلا من واجب الدفاع، وإنما فرضته ظروف استثنائية امتثلنا لها احتراما لمؤسساتنا المهنية.
وأعدكم، بإذن الله تعالى، أنني سأظل، كما كنت دائما، محامية تؤمن بأن رسالة الدفاع لا تختزل في موقف ظرفي، وإنما هي عهد وشرف وقسم. وسأكون، متى عدنا إلى ممارسة مهامنا كاملة، مؤازِرة ، حاضرة، مرافِعة، مساندة لكم، وفية لرسالة المحاماة، وللقسم الذي شرفني الله بأدائه، وللقناعة الراسخة بأن الدفاع عن الإنسان هو أسمى ما في هذه المهنة.






