فن وإعلام

وثيقة تكشف عن استياء فرنسا من زيارة إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني لطنجة عام 1905 للجم التغلغل المالي الفرنسي (الحلقة 29)

أحمد الدافري (إعلامي)

تفتح الصفحات الـ 12 من التقرير التمهيدي لكتاب "مراقبة الدين المغربي" (Le Contrôle de la Dette Marocaine)، المنشور في باريس عام 1936 للرئيس السابق لهذه المصلحة "لويس بوشيه" (Louis Bouchet)، نافذة اعترافية فرنسية نادرة حول الأبعاد السيادية لزيارة الإمبراطور الألماني غليوم الثاني لطنجة في فاتح أبريل 1905. ففي هذه المقدمة الشاملة التي وقعها المدير العام "إي. لوريت" (E. Luret)، يبرز بوضوح كيف أربك النزول الألماني مخططات "الاختراق السلمي" المالي الذي كانت تقوده فرنسا تحت غطاء القروض الدولية التي أثقلت كاهل المخزن المغربي في تلك الحقبة الحرجة.

وتكمن الأهمية القصوى لهذا التقرير في كونه صادرًا عن الجهة التي كانت تشرف فعليًا على مالية المغرب من الجانب الفرنسي، مما يجعل اعترافاتها بـ "العرقلة الألمانية" شهادة تاريخية على قدرة المناورات الدولية في حماية السيادة المغربية من الانفراد الاستعماري. وقد جاء في التفريغ الحرفي للنص الأصلي الوارد في الصفحة الأولى من هذا التقرير ما يلي: 

"La France, forte de l'accord conclu avec l'Angleterre le 8 avril 1904, et de l'adhésion de l'Espagne, croyait avoir le champ libre au Maroc. M. Regnault, notre ministre à Tanger, poursuivait avec une volonté tenace l'organisation d'un contrôle efficace sur les douanes marocaines. Sa volonté tenace y serait arrivée sans l'intervention allemande manifestée par le débarquement de Guillaume II à Tanger le 1er avril 1905." 

وترجمته الدقيقة هي: (إن فرنسا، مستندة إلى الاتفاق المبرم مع إنجلترا في 8 أبريل 1904، وحصولها على تأييد إسبانيا، كانت تعتقد أن المجال بات مفتوحًا أمامها في المغرب. وكان السيد رينيو، وزيرنا في طنجة، يتابع بإرادة صلبة تنظيم رقابة فعالة على الجمارك المغربية. وكانت إرادته القوية ستصل إلى مبتغاها لولا التدخل الألماني الذي تجلى في نزول غليوم الثاني في طنجة في فاتح أبريل 1905).

إن هذا النص يثبت أن زيارة الإمبراطور الألماني لم تكن تظاهرة بروتوكولية، بل كانت "صدًا سياسيًا" مباشرًا لمحاولات فرنسا وضع يدها على الموارد الجمركية للمملكة، وهي الموارد التي كانت تمثل العمود الفقري للسيادة المالية المغربية. وتنتقل الوثيقة في صفحتها الخامسة لترصد آليات العمل الميداني للمخزن المغربي في مواجهة هذه الضغوط، حيث تورد تفريغًا هامًا لأسماء الشخصيات المغربية التي كانت تدير الأزمة:

 "Le Maghzen était représenté auprès de la Dette par un délégué chérifien, Si Driss Ben Djelloun, assisté d'un personnel de confiance. Ces fonctionnaires marocains, malgré la pression constante des créanciers, s'efforçaient de maintenir une forme de souveraineté administrative sur les revenus des douanes. L'arrivée du Kaiser à Tanger a renforcé leur position de négociation." 

وترجمته: (كان المخزن ممثلاً لدى إدارة الدين بمندوب سلطاني، هو "السي إدريس بن جلون"، يساعده موظفون محل ثقة. هؤلاء الموظفون المغاربة، وبالرغم من الضغط المستمر للدائنين، كانوا يبذلون جهودًا حثيثة للحفاظ على شكل من أشكال السيادة الإدارية على إيرادات الجمارك. وقد أدى وصول القيصر إلى طنجة إلى تعزيز موقفهم التفاوضي).

وتستمر الوثيقة في تحليل التبعات الجيوسياسية لهذه الزيارة، حيث تشير الصفحة التاسعة إلى حالة "الذهول" (La stupéfaction) التي سادت الدوائر الدبلوماسية الفرنسية، وكيف تحولت أزمة طنجة إلى مواجهة دولية فرضت عقد "مؤتمر الجزيرة الخضراء" عام 1906. وتوضح الوثيقة أن ألمانيا لم تكن تهدف إلى دعم المغرب حباً فيه، بل لكسر الحصار الذي فرضه "الاتفاق الودي" الفرنسي البريطاني، وهو ما تسبب في "تجميد" المخططات الفرنسية لعدة سنوات. ويورد النص في الصفحة التاسعة ما يلي:

 "L'Allemagne se plaignait du peu de résultats donnés par la collaboration franco-allemande. Cette tension diplomatique, née à Tanger, a conduit plus tard à l'envoi de la canonnière Panther devant Agadir en juillet 1911. Le Maroc est devenu, par la force des choses, le centre d'un conflit européen majeur." 

وترجمته: (كانت ألمانيا تشتكي من قلة النتائج التي أسفر عنها التعاون الفرنسي الألماني. هذا التوتر الدبلوماسي، الذي ولد في طنجة، أدى لاحقًا إلى إرسال البارجة "بانثير" أمام أغادير في يوليو 1911. لقد أصبح المغرب، بحكم الضرورة، مركزًا لصراع أوروبي كبرى).

وتختتم هذه الصفحات الاثنتا عشرة بملخص تقني يوضح كيف أن الرقابة الفرنسية على الديون المغربية ظلت "منقوصة" وغير مكتملة حتى عام 1912، وذلك بفضل استراتيجية "التوازن" التي نهجها السلطان مولاي عبد العزيز ومن بعده السلطان مولاي عبد الحفيظ، مستغلين الوجود الألماني كوزن مقابل للأطماع الفرنسية. ويؤكد "لويس بوشيه" في خاتمة تقريره أن التاريخ المالي للمغرب في تلك الفترة لا يمكن فهمه بمعزل عن "صدمة طنجة" التي أعادت طرح المسألة المغربية كقضية دولية غير قابلة للانفراد.

إن هذا التقرير، الذي ظل محفوظًا في أرشيفات "مراقبة الدين" بباريس حتى نُشر عام 1936، يمثل وثيقة إدانة واعتراف في آن واحد؛ فهو يدين الرغبة الفرنسية في تحويل القروض إلى وسيلة استعمارية، ويعترف بأن المغرب، من خلال موقعه الاستراتيجي في طنجة، استطاع أن يحول زيارة إمبراطور أجنبي إلى ورقة ضغط سيادية أخرت السقوط في فخ الحماية الشاملة لسنوات طوال. وتظل الصفحة 12 من هذا التقرير، الموقعة من المدير "إي. لوريت"، بمثابة الخاتمة الرسمية التي توثق نهاية مرحلة "المقاومة الدبلوماسية المالية" وبداية مرحلة جديدة من تاريخ المغرب المعاصر.

◾️ المرجع التوثيقي للحلقة 29:

 * المصدر: تقرير "مراقبة الدين المغربي" (Le Contrôle de la Dette Marocaine).

 * المؤلف: لويس بوشي (Louis Bouchet) بتقديم إي. لوريت (E. Luret).

 * الأرشيف: مكتبة فرنسا الوطنية ( BnF).

 * الوثائق: التقرير التمهيدي كاملاً (12 صفحة بخلاف صفحة العنوان).

 * التوثيق الميداني: مراسلات وتقارير مصلحة الرقابة المالية بطنجة.

 * تاريخ ومكان النشر: باريس، مايو 1936م.