الأمر هنا لا يعدو أن يكون رأيا خاصا بي، لا ألزم به أي أحد من أهل مدينة أصيلة التي أعتبر نفسي واحدا من أهلها، لكوني قضيت فيها أبهى سنوات عمري، وأفضالها عليَ كثيرة.
نعم.
إن الجداريات الفنية عمل جميل.
فهي تعطي رونقا لفضاءات المدن، وتربي الناس على تذوق الفن وعلى الاستمتاع بالجمال.
وهذه الصورة، رفقة هذا المنشور، هي صورة جدارية في أحد أزقة المدينة العتيقة لأصيلة.
الذي قام برسم هذه الجدارية هو فنان فرنسي.
وقد رسم فيها وجه امرأة تضع فوق رأسها قطعة ثوب تشد بها شعرها بطريقة خاصة.
الرسم المرسوم في الجدارية هو لوحة تشخيصية لوجه امرأة حقيقية تعيش في مدينة أصيلة، وتملك محلا تجاريا في نفس الزقاق الذي رسم فيه الفنان الفرنسي هذه الجدارية، ومحلها التجاري هو عبارة عن "بازار" تبيع فيه منتجات الصناعة التقليدية.
بل إن بازار هذه السيدة لا يبعد سوى ببضع خطوات عن الحائط الذي رسم الفنان الفرنسي فيه وجهها.
أنا لا أعرف هل الرسام الفرنسي رسم الجدارية بمقابل مالي تلقاه من السيدة صاحبة المحل التجاري، أم أنه قام بذلك مجانا انبهارا بشخصية السيدة، التي في الحقيقة أنا لا أعرفها ولا يمكنني أن أقول عنها إلا الخير.
كما أنني لا أريد أن أدخل في تفاصيل المقومات التقنية والفنية للوحة الجدارية بحكم أنها لوحة تشخيصية قام الفنان فيها بنقل موضوع كما هو موجود في الواقع، والتشخيصية تتطلب براعة في نقل الموضوع كما تراه عين الفنان، والفنان الفرنسي تفوق في نقل الموضوع بشكل مُتقن.
لكني أعتبر أن هذه الجدارية هي مادة إشهارية للسيدة صاحبة البازار، وهي تحاول أن تفرض سلطة فنية على العابرين من الزقاق.
والمقصود هنا بالسلطة الفنية هو إثارة الانتباه إلى تلك الملامح المرسومة بعناية لجذب الاهتمام، وخلق حكاية داخل أذهان المستقبل للصورة، باعتبار أن كل عمل فني هو خطاب يجعل المتلقي مضطرا للبحث عن معناه، ومجبرا على تحليل عناصره الخطابية.
والخطاب هنا لا يتجاوز رسالة مفادها أن السيدة التي ترون صورتها مرسومة في الجدران هي نفسها تلك الموجودة داخل محلها التجاري الذي لا يبعد سوى بخطوات عن الجدار.. أي إنها هي تلك السيدة صاحبة البازار.. وهنا تحضر بشكل سافر عملية الإشهار.
السؤال الذي ربما ينبغي طرحه في هذا الإطار، هو هل الفنان الفرنسي الذي رسم الجدارية، حصل على ترخيص من سلطات المدينة لإنجاز هذا العمل الإشهاري، في زقاق من أزقة المدينة العتيقة لأصيلة.
والسؤال الآخر الذي يبدو مهما أيضا، هل في إطار الإنصاف، يمكن السماح لأي صاحب بازار في المدينة العتيقة أن يكلف فنانا تشكيليا من فناني المدينة، وهم كُثر، بأن يرسم له وجهه في جدارية بالجوار، كي يستفيد هو أيضا من الإشهار، عندما يتحول وجهه إلى إيقونة فنية في الزقاق يتوقف عندها المارة، ويبدؤون في فحصها بعيونهم كي يفككوا دقة الرسم ويتحققوا من مدى مماثلته للأصل الذي أسس الفنان عليه جداريته؟
ألن تصبح الأزقة حينها معرضا لوجوه أصحاب البازارات؟
ألن تزيغ حينها الجداريات الفنية عن غرضها الجمالي وتتحول إلى أداة للتباهي بين الأشخاص؟
ألن يؤدي ذلك إلى الزج بالمدينة في حالة من الفوضى النرجسية التي تتعارض مع القيمة الجمالية والوظيفة الاجتماعية للفن؟
إن الدينامية الفنية التي انطلقت داخل المدينة على مستوى إنجاز الجداريات بمدينة أصيلة، واستمرت منذ النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي بمناسة إطلاق الدورة الأولى لموسم أصيلة الثقافي الدولي، كانت قد قامت على قاعدة فنية أخلاقية، مفادها أن الجدارية تربي العين على قراءة الرموز، وتحليل العلامات، وتفكيك الدلالات، بهدف تقوية التفكير والتأمل، وكل ذلك بهدف الارتقاء بالسلوك، وتهذيب النفس، والتحلي بقيم المواطنة التي لايمكن أن تُمارس إلا داخل بيئة نظيفة وضمن وسط أنيق.
ولتحقيق ذلك كان لابد من أن تخضع الجداريات لضوابط الفن المنحاز للجمال والأخلاق، لا أن تصبح واجهة للأهواء الذاتية، وللممارسات النرجسية.
وهذا ما كان.






