صيادلة المغرب يدقون ناقوس الخطر، لا لخوصصة الصحة ولا لفتح رأس المال.
يعيش قطاع الصيدلة في المغرب منعطفاً تاريخياً خطيراً يهدد بنسف عقود من الاستقرار الصحي والاجتماعي، وذلك على إثر التوصيات الصادمة التي أصدرها مجلس المنافسة والتي تستهدف إحداث تحول هيكلي وعميق في النموذج الصيدلاني المغربي. هذه المقترحات التي رفعتها المؤسسة الدستورية لم تقف عند حدود الملاحظات العابرة، بل مست جوهر المهنة عبر الدعوة الصريحة إلى تحرير رأس مال الصيدليات، والسماح بتأسيس السلاسل التجارية، وتحرير أوقات العمل. هذا التوجه الخطير أشعل شرارة غضب غير مسبوقة في أوساط المهنيين الذين استشعروا حجم الكارثة التي قد تحل بالأمن الدوائي للمغاربة، معتبرين أن هذه الخطوات تمهد الطريق لتحويل الدواء من مادة حيوية لإنقاذ الأرواح إلى مجرد سلعة تجارية تخضع لمنطق العرض والطلب والمضاربات المالية التي يديرها مستثمرون لا علاقة لهم بمهنة الطب والصيدلة، ولا تهمهم سوى هوامش الربح السريع على حساب صحة وجيوب المواطنين المنهكة أصلاً بفعل غلاء المعيشة وتوالي الأزمات الاقتصادية.
تفاعلاً مع هذا التهديد الوجودي، بادرت كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب برئاسة الدكتور محمد لحبابي إلى توجيه رسالة حازمة وشديدة اللهجة إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش بتاريخ 23 فبراير 2026، لتسجيل موقف المهنيين الرافض بشكل قاطع لهذه التوصيات. المراسلة النقابية حملت تحذيرات واضحة من مغبة الانجرار وراء دعوات التحرير التي ستعصف بالنموذج المغربي المبني على أساس صلب يعتبر الصيدلي رجل علم ومالكاً مستقلاً ومسؤولاً مباشراً عن صحة المريض. النقابة أكدت بلغة لا تقبل التأويل أن دخول المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال إلى القطاع سيفرض منطقاً تجارياً محضاً يفرغ المهنة من حمولتها الإنسانية والأخلاقية، حيث سيصبح التركيز منصباً على تحقيق المردودية المالية للمساهمين بدل السهر على جودة العلاج وتوجيه المريض. الموقف الثابت للمهنيين يتلخص في جملة واحدة عميقة الأثر الاجتماعي تؤكد أن الدواء ليس منتجاً تجارياً، وبالتالي لا يمكن إخضاعه لقواعد المنافسة الشرسة التي تليق بقطاعات استهلاكية أخرى ولكنها تدمر قطاع الصحة من الداخل وتجعله مرتعاً للاحتكار والمضاربة.
لفهم حجم المغالطات التي تروج حول المهنة يجب تشخيص الواقع المرير الذي يعيشه الصيدلي المغربي والذي يختلف جذرياً عن الصورة النمطية التي تحاول بعض الجهات تسويقها لتبرير قرارات التحرير. الصيدلي اليوم يجد نفسه في خط المواجهة المباشر والأول مع المريض، فهو أقرب مهني صحي للمواطن البسيط، والملجأ المتاح دائماً لتقديم الاستشارة الطبية المجانية والتوجيه الصحي دون مواعيد مسبقة أو تكاليف إضافية. يوميات الصيدلي داخل صيدليته تتجاوز بكثير عملية بيع علبة دواء، فهو يتدخل بشكل حاسم لشرح الجرعات وتوضيح طرق الاستعمال وتنبيه المرضى إلى الأعراض الجانبية والتداخلات الدوائية الخطيرة التي قد تودي بحياتهم. أكثر من ذلك، يلعب الصيدلي دوراً اجتماعياً حاسماً لضمان استمرار العلاج للفئات الهشة، حيث يتحول في كثير من الأحيان إلى مؤسسة ائتمان غير رسمية تمنح الأدوية "بالكريدي" للمرضى الذين لا يملكون ثمنها الفوري، متحملاً بذلك أعباء مالية ضخمة ومخاطر كبيرة بعدم استرداد مستحقاته، في مشهد إنساني يعكس تضامن هذا المهني مع أبناء وطنه في ظل غياب ضمانات مؤسساتية تحميه من الإفلاس.
ورغم هذا الدور الحيوي والمحوري يرزح الصيدلي تحت ضغط مالي وهيكلي خانق يكذب ادعاءات الثراء العريض التي يتم الترويج لها. الأرقام والمعطيات الميدانية تثبت أن هامش الربح الصافي للصيدلي لا يتعدى في أحسن الأحوال 8 بالمائة، وهو هامش ضئيل جداً إذا ما قورن بحجم الاقتطاعات والمصاريف الثابتة التي تثقل كاهله. الدولة تقتطع ما بين 29 و33 بالمائة كضرائب، تضاف إليها مصاريف الكراء الباهظة وفواتير الماء والكهرباء وتكاليف صيانة الأنظمة المعلوماتية وأجور المساعدين، ناهيك عن الأدوية منتهية الصلاحية التي يتحمل الصيدلي خسارتها بالكامل. هذا الخنق المالي يجعل العديد من الصيدليات على حافة الإفلاس، ويضع المهنيين في حالة من الضغط النفسي والمادي المستمر، حيث يجدون أنفسهم مضطرين لمواجهة غضب المواطنين من ارتفاع أسعار الأدوية رغم أن الصيدلي لا يتدخل في تسعيرها، بل هو مجرد حلقة أخيرة في سلسلة يتحكم فيها المصنعون والموزعون والدولة. لذلك، يعتبر الصيادلة أن توصيات مجلس المنافسة جاءت لتجهز على ما تبقى من رمق في القطاع، ولتكون بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير في توقيت يعاني فيه الجميع من تداعيات التضخم المالي.
إن تحليل أعطاب النموذج الذي يطرحه مجلس المنافسة يكشف عن جهل عميق بطبيعة القطاع وخصوصياته، فالسماح بإنشاء سلاسل الصيدليات لن يؤدي إلى خفض الأسعار كما يروج لذلك، بل سيؤدي حتماً إلى خلق احتكارات كبرى تسيطر على السوق الدوائية. الحيتان الكبيرة من المستثمرين ستعمد إلى تكسير الأسعار في البداية لخنق الصيدليات الصغرى والمتوسطة وإخراجها من السوق، وبمجرد خلو الساحة لها، ستفرض أسعارها وشروطها على المواطن والدولة معاً. أما مقترح تحرير أوقات العمل، فهو ضربة قاضية لمبدأ التغطية الترابية المتوازنة ولنظام الحراسة الذي يضمن حصول المواطن على الدواء في أوقات متأخرة من الليل وفي أيام العطل. السلاسل التجارية الكبرى ستتمركز في المدن الكبرى والأحياء الراقية حيث القوة الشرائية المرتفعة وستعمل على مدار الساعة، مما سيؤدي إلى إفلاس صيدليات الأحياء الشعبية والقرى والمناطق النائية، وهو ما يعني في النهاية حرمان ملايين المغاربة من حقهم الدستوري في الولوج إلى العلاج والدواء وضرب الأمن الصحي في مقتل.
استقراء النماذج الدولية في هذا المجال يقدم دروساً قاسية يجب على صناع القرار في المغرب استيعابها قبل الإقدام على أي خطوة غير محسوبة العواقب. في دول أمريكا اللاتينية مثل تشيلي، وفي الولايات المتحدة الأمريكية حيث تم تطبيق نظام التحرير المطلق وتأسيس سلاسل الصيدليات، كانت النتائج كارثية بكل المقاييس. هذه الدول تعاني اليوم مما يسمى بـ "الصحاري الصيدلانية"، حيث اختفت الصيدليات تماماً من الأحياء الفقيرة والمناطق القروية لأنها غير مربحة للمستثمرين، وتركزت الخدمات في المراكز الحضرية الكبرى. علاوة على ذلك، تحول الصيدلي في هذه المنظومة إلى مجرد أجير ومندوب مبيعات يخضع لضغوط الإدارة لتحقيق أهداف مبيعات شهرية، مما يدفعه إلى تشجيع استهلاك الأدوية والمكملات الغذائية غير الضرورية لزيادة أرباح الشركة، وهو ما يتناقض تماماً مع أخلاقيات المهنة التي تفرض ترشيد استهلاك الدواء لحماية صحة المريض. هذا النموذج الرأسمالي المتوحش أثبت فشله الذريع في تقديم رعاية صحية عادلة ومستدامة للمواطنين.
في المقابل، تقدم النماذج الأوروبية الرائدة في مجال الرعاية الصحية مثل فرنسا وألمانيا وإسبانيا أمثلة حية على نجاح النموذج المستقل الذي يحاول مجلس المنافسة في المغرب تدميره. التشريعات في هذه الدول الأوروبية تمنع منعاً باتاً امتلاك الصيدليات من طرف غير الصيادلة، وتفرض مبدأ صيدلي واحد لصيدلية واحدة، وتمنع تأسيس السلاسل التجارية لضمان الاستقلالية التامة للمهني في اتخاذ قراراته الطبية بعيداً عن أي ضغط مالي أو توجيه تجاري من مستثمرين خارجيين. هذه الدول تدرك جيداً أن الدواء مادة استراتيجية تتعلق بالأمن القومي والصحة العامة، ولذلك تحرص على حماية القطاع من تغول الرأسمالية المتوحشة، وتفرض توزيعاً جغرافياً دقيقاً للصيدليات يضمن تغطية شاملة لجميع أرجاء البلاد، من أكبر المدن إلى أصغر القرى، وهو بالضبط النموذج الذي استلهمه المغرب والذي أثبت نجاعته على مدى عقود قبل أن تطل دعوات التحرير المشبوهة برأسها في الآونة الأخيرة.
المخرج الحقيقي من هذه الأزمة، كما تطرحه كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب، لا يكمن في التحرير الأعمى، بل في إصلاح بنيوي وعميق ينطلق من الاعتراف بالدور المحوري للصيدلي. هذا الإصلاح يتطلب أولاً مراجعة النموذج الاقتصادي للصيدليات لتخليصها من الأعباء الضريبية المجحفة وضمان استقرارها المالي. ثانياً، يجب التوجه نحو تثمين الأعمال الصيدلانية ودمج الصيدلي بشكل فعلي ورسمي في مسار العلاج، ليقوم بأدوار متقدمة في تتبع الأمراض المزمنة وتقديم اللقاحات وتوجيه المرضى، وهي خدمات تقدمها الصيدليات في الدول المتقدمة بمقابل مادي يخفف الضغط على المستشفيات والمراكز الصحية. ثالثاً، تبرز الحاجة الماسة إلى تعزيز التغطية الترابية من خلال تشجيع الصيادلة الشباب على الاستقرار في المناطق النائية ومواكبتهم هيكلياً ومادياً لضمان استمرار الرسالة النبيلة للمهنة. المعركة اليوم ليست مجرد دفاع عن مصالح فئوية ضيقة، بل هي دفاع مستميت عن حق المواطن المغربي في نظام صحي إنساني، وعن استقلالية المهنة ضد مطامع رأس المال الذي لا يرى في المريض سوى زبون وفي الدواء سوى سلعة تدر الأرباح الطائلة.
هل تود مني صياغة ملخص تنفيذي لهذا المقال أو تحويله إلى نقاط أساسية لبيان صحفي؟






