مجتمع وحوداث

المحامي بين التحفظ والتعبير: حين يصبح الاحتجاج السلمي ضرورة مهنية وشرطًا للوجود

مصطفى المنوزي (محام ورئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي)

«إن واجب التحفظ لا يعني واجب الكتمان أو السكوت… بل هو الحديث دون تجاوز الحدود، والحفاظ على هيبة المؤسسة وقدسية المهمة، مع إمكانية إبداء الرأي في ما لا يدخل ضمن نطاق هذا الواجب.» ذ. محمد أمين بنعبد الله، رئيس المحكمة الدستورية، الرباط، الأربعاء 20 نونبر 2024.

إذا كان هذا الفهم قد صيغ في سياق القاضي الدستوري، فإنه يمتد، من باب أولى، إلى باقي الفاعلين في منظومة العدالة، وفي مقدمتهم المحامون. إذ يصعب تصور عدالة صامتة، كما يستحيل تخيل محاماة بلا صوت. فالمحامي لا يختزل في كونه منفذًا تقنيًا للنصوص، بل يضطلع بدور تأويلي ونقدي، يشارك من خلاله في مساءلة القانون والتنبيه إلى اختلالاته. ومن ثم، فإن حقه في التعبير ليس ترفًا مهنيًا، بل امتداد عضوي لحق الدفاع ذاته. حين يتكلم المحامي، فهو لا يعبر عن ذاته فحسب، بل ينطق باسم فكرة العدالة، في لحظات نقصها أو تهديدها أو حاجتها إلى التصويب.

غير أن استدعاء “واجب التحفظ” في مواجهة هذا الصوت يقتضي تدقيقًا مفاهيميًا. فالتحفظ، كقيمة أخلاقية مهنية، لا يعني الصمت، ولا يبرر مصادرة الرأي المخالف. وإذا تحول إلى أداة لكبح النقد، فإنه يفرغ المهنة من بعدها الحقوقي، ويحول المحامي إلى فاعل تقني داخل منظومة قد تكون نفسها موضوع مساءلة. إن محاماة بلا نقد هي محاماة منزوعة الوظيفة، فاقدة لروحها الترافعية؛ ولذلك فالاحتجاج، من جهته، لا يشكل خروجًا عن مقتضيات المهنة، بل قد يكون تعبيرًا مشروعًا عن الالتزام بها. فحين يحتج المحامون، فإنهم غالبًا ما يدافعون عن شروط المحاكمة العادلة، وعن استقلال القضاء، وعن كرامة المتقاضين. واختزال هذا الاحتجاج في كونه تعطيلًا لمرفق العدالة يغفل أن الخلل قد يكون في بنية هذا المرفق وشروط اشتغاله، لا في ردود الفعل عليه. وهنا لا تقف الإشكالية عند حدود الممارسة، بل تمتد إلى مستوى التمثلات والخطاب العام. إذ يُعاد أحيانًا تقديم المحامي كمعرقل أو مشوش، أو كمدافع عن ما لا يستحق الدفاع، بما يساهم في بناء سردية سلبية تبرر التضييق عليه. وهنا نكون أمام صراع سرديات، حيث يُسوَّغ تقييد الصوت باسم “هيبة العدالة” أو “حسن سيرها” ؛ غير أن عدالة تخشى النقد هي عدالة هشة، وهيبة تقوم على الصمت لا يمكن أن تستمر. فالقوة الحقيقية للعدالة تكمن في قدرتها على استيعاب الاختلاف، والإصغاء إلى الأصوات التي تكشف أعطابها. والمحامي، بحكم موقعه ووظيفته، يظل من أبرز هذه الأصوات.

وبذلك فإن حماية حق المحامي في التعبير والنقد والاحتجاج هي، في جوهرها، حماية لحق المجتمع في عدالة أكثر توازنًا وإنصافًا. لأن تكميم صوت الدفاع لا يضر بالمحامي وحده، بل يقوض الثقة في القانون، ويفتح المجال لهيمنة سردية واحدة لا تقبل النقاش. وعلى العكس، كلما كان صوت المحامي حرًا ومسؤولًا، اقتربت العدالة من معناها الأصيل: فضاء للتوازن، لا أداة للهيمنة.