فن وإعلام

صخور الريف مرصداً لموازين القوى المغربية بين القرن السادس عشر والقرن الثامن عشر (الحلقة 27)

أحمد الدافري (إعلامي)

يكشف التحليل المقارن للوثائق الأرشيفية المتعلقة بصخرة بادس (القميرة) وحصن الحسيمة (النكور) عن استمرارية استراتيجية مثيرة، حيث تحولت هذه الثغور المحتلة عبر القرون إلى مراصد استخباراتية دقيقة تسجل توازنات القوى في العمق المغربي.


 فبالنظر إلى ما حملته أوراق أرشيف سيمانكاس لعام 1549م، نلمس بوضوح حالة التصدع السياسي التي سبقت قيام الدولة الوطنية الموحدة، حيث نجد "أبو حسون الوطاسي" يرهن تحركاته العسكرية بالدعم الخارجي مشترطاً لتسلم أصيلة أن يمنحه ملك البرتغال المدفعية والذخائر اللازمة، مدفوعاً باعتقاده أن المغاربة لن ينضموا إليه. هذا الاعتراف الضمني بفقدان الحاضنة الشعبية يضعنا أمام وثيقة تكشف كيف كان "ملك بادس" يرى في القوة المسيحية ضمانة لبقائه ضد طموحات مواطنيه، وهو توجه يبرز التباين الصارخ مع ما رصدته وثائق الأرشيف العسكري بمدريد بعد قرنين ونصف، وتحديداً في عام 1792م.


 ففي تلك الحقبة، لم يعد الحصن الإسباني حليفاً محتملاً، بل صار هدفاً لاستراتيجيات ضغط مغربية معقدة؛ حيث رصدت تقارير حاكم الحسيمة وصول "المولى مسلمة" إلى الريف مدعوماً بأربعة مدافع من التي وفرها له داي الجزائر، وهي المدافع التي لم تكن أداة حربية فحسب، بل رسالة سياسية أراد من خلالها الأمير تثبيت نفوذه الميداني في مواجهة السلطة المركزية، معتمداً في الوقت ذاته على تكتيك الحصار الاقتصادي الذي جعل حاكم الحصن يشتكي من منع القبائل من بيع أي سلع أو مؤن للوجود الإسباني.


وتظهر المراسلات الدبلوماسية الممتدة بين مدريد وسيمانكاس أن المحتل في كلتا المرحلتين كان يعيش هاجس الرحيل أو المقايضة، معتمداً على الجسور البحرية لتأمين بقائه المادي في ظل حصار ميداني تفرضه القبائل. وتتجلى هذه السيادة المغربية في القدرة على تحويل هذه الصخور من نقاط ارتكاز عسكرية إلى أوراق ضغط في لعبة الشطرنج السياسية.


 فإذا كان أبو حسون قد عرض بادس وأصيلة للمقايضة من أجل طرد "الشريف من مملكتي فاس والمغرب"، فإن الدولة المغربية في عهد المولى سليمان قد وظفت ملفات الأسرى لانتزاع مكاسب سيادية، وهو ما برز حين اقترح المراقب "رامون دي مونسالفي" استغلال أسر حراس مغاربة للمطالبة باستعادة المغربي القيتوني الذي يُفترض وجوده في قصر الحمراء بغرناطة. 


إن هذا الانتقال من "الاستنجاد" بالخارج في القرن السادس عشر إلى "المقايضة والندية" في القرن الثامن عشر يثبت أن هذه الثغور، رغم بقائها تحت الاحتلال، كانت مجسات حقيقية تقيس نبض التحولات الكبرى في الشخصية الدولية للمغرب؛ فمن خلال حسابات المدافع وأرواح الأسرى وتفاصيل المؤن المهربة، يعيد الأرشيف رسم صورة المملكة التي لم تكن يوماً غائبة عن تدبير مصيرها، بل كانت المحرك الأساسي لتاريخ المنطقة، محولةً هذه الصخور الصماء إلى شواهد حية على صراع ممتد حول الهوية والوحدة والسيادة الكاملة على التراب الوطني.


◾️عندما ينطق الأرشيف: 

وثيقة "الزلزال السياسي" الذي هز المغرب سنة 1549م


 بينما تتحدث كتب التاريخ التقليدية عن "سقوط الدول"، يكشف لنا أرشيف سيمانكاس، ومن قلب مجلدات "الحرب والبحرية"، عن التفاصيل الدقيقة التي لم تُروَ من قبل.


 إن الورقة رقم 48 من المجلد رقم 36 من قسم "الحرب والبحرية" (GYM, LEG, 36) ضمن أرشيف سيمانكاس، هي مجس رصد اللحظة الفاصلة في تاريخ المغرب. ففي طياتها اعتراف إسباني صريح بوصول "ملك بادس" هارباً (Huyendo) إلى مليلية، واعتراف أشد خطورة بأن "رعايا ملك فاس قد انحازوا للشريف السعدي". هنا، في ثنايا هذا الخط القديم، نقرأ قصة الانتقال من "الارتهان" في القرن السادس عشر إلى "الندية" في القرن الثامن عشر، مما يثبت أن صخور الريف لم تكن مجرد قلاع عسكرية، بل كانت مراصد سجلت لحظة انكسار التبعية وبداية بزوغ فجر الدولة الوطنية الموحدة والسيادية.


⚫️ المرجع التوثيقي للحلقة 27

◼ ️الأرشيف: تجميع تحليلي مقارن يعتمد على وثائق أرشيف سيمانكاس (AGS) المجلدات 36 و 11161، والأرشيف العسكري بمدريد (SGU) المجلد 7318.

▪️الوثائق الأساسية: الورقة 177 و 48 (قسم الحرب والبحرية).

▪️الاقتباسات: مستمدة من اتفاقية مالقة (سبتمبر 1549) وتقارير حاكم الحسيمة ومراقب بادس (أكتوبر-نوفمبر 1792) كما وردت في الحلقات 21، 22، 24، 25، 26.