رأي

جلال المخفي: حرب على حافة الحسم: من يربح حين تتساوى الخسائر؟

ليست الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل هي اختبار حقيقي لميزان القوة في عالم يتغير بسرعة، ولم تعد فيه الحروب تُحسم بالضربة القاضية كما كان يُتصوّر. ما يجري اليوم هو صراع مركّب، تختلط فيه الحسابات العسكرية بالرهانات السياسية، وتتداخل فيه الجغرافيا مع الاقتصاد، وتتحرك فيه الأطراف بمنطق دقيق: اضرب، لكن لا تُسقط كل الجسور، وردّ، لكن لا تفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها.


المشهد في ظاهره تصعيد، لكنه في عمقه إدارة حذرة لحافة الانفجار. كل طرف يحاول أن يُظهر القوة، لكن دون الذهاب إلى النهاية. وهذا بالضبط ما يجعل هذه الحرب مختلفة: الجميع يقترب من الخط الأحمر، لكن لا أحد يريد تجاوزه بالكامل. هنا لا نكون أمام معركة حسم، بل أمام صراع لعب طويل على الأعصاب، تُقاس فيه النتائج بمرور الوقت، لا بحجم الضربة الأولى.


استنزاف بارد


ما يفرض نفسه في هذه المواجهة هو منطق الاستنزاف، لكن بشكل “بارد”، أي بلا اندفاع شامل نحو حرب مفتوحة. الولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان قدرة عسكرية كبيرة، من حيث الدقة والتكنولوجيا والجاهزية، ما يسمح لهما بتوجيه ضربات موجعة ومدروسة. غير أن هذه القدرة تصطدم بواقع واضح: الضربة القوية لا تعني نهاية المعركة، بل قد تكون بداية جولة جديدة أكثر تعقيدا.


في الجهة المقابلة، تلعب إيران على عنصر الوقت. لا تسعى إلى حسم سريع، بل إلى إطالة أمد المواجهة وجعلها مكلفة لخصومها. هذا الأسلوب قائم على فكرة بسيطة: إذا لم تستطع الفوز بسرعة، فامنع خصمك من الفوز أصلا. ومع مرور الوقت، يتحول الصراع إلى اختبار تحمل، حيث تُقاس القوة بمدى القدرة على الصمود، لا فقط بقدرة التدمير.


اللافت أن هذا النوع من الحروب يُفرغ التفوق العسكري من جزء من معناه. فالقوة هنا لا تُترجم مباشرة إلى نتيجة سياسية. قد تُدمّر أهدافا، وقد تربك الخصم، لكنها لا تضمن تغيير قواعد اللعبة بالكامل. وهنا تبدأ الفجوة بين “الإنجاز العسكري” و”النتيجة السياسية” في الاتساع.


وفي النهاية، نجد أنفسنا أمام وضعية معروفة في مثل هذه النزاعات: لا أحد يخسر بسرعة، لكن الجميع يخسر تدريجيا. إنها حرب تُراكم الخسائر بدل أن تحسمها، وتُبقي كل الأطراف داخل دائرة توتر مستمر.


ردع متوتر


الردع في هذه الحرب حاضر بقوة، لكنه ردع مشدود الأعصاب. كل طرف يلوح بالقوة، ويظهر استعداده للتصعيد، لكنه في الوقت نفسه يحسب خطواته بدقة. فالمطلوب ليس فقط توجيه رسالة، بل ضمان أن تصل الرسالة كما ينبغي، دون أن تُفهم بشكل يدفع إلى رد غير محسوب.



الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى تثبيت صورة واضحة: أي تهديد سيُواجَه برد قاس. لكن هذه الصورة تحتاج إلى ترجمة عملية حتى تبقى مقنعة. فإذا تكررت الضربات دون رد حاسم، أو بقيت ضمن حدود ضيقة، قد يفسرها الطرف الآخر على أنها سقف لا يمكن تجاوزه.


في المقابل، تعتمد إيران على ردع من نوع مختلف، يقوم على توزيع الضغط بدل تركيزه. لا تذهب إلى المواجهة المباشرة دائما، لكنها تترك بصمتها في أكثر من جبهة، وبأكثر من أسلوب. هذا التنويع في الرد يجعل من الصعب توقع سلوكها، ويُعقّد حسابات خصومها.


المشكلة أن هذا التوازن دقيق جدا. أي خطأ في التقدير، أي مبالغة في قراءة نية الطرف الآخر، قد تدفع الأمور نحو تصعيد لا يريده أحد. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في القوة ذاتها، بل في كيفية فهمها واستعمالها.


أسواق قلقة


بعيدا عن الميدان، تتحرك جبهة أخرى لا تقل أهمية: جبهة الاقتصاد. فالشرق الأوسط يظل مركزا حساسا في معادلة الطاقة العالمية، وأي توتر فيه ينعكس بسرعة على الأسواق. لا يحتاج الأمر إلى حرب شاملة حتى ترتفع الأسعار، بل يكفي أن يلوح خطر التصعيد حتى تبدأ الأسواق في التفاعل.


النفط، الغاز، النقل البحري، التأمين… كلها قطاعات تتأثر مباشرة. ومع كل ارتفاع في الأسعار، تنتقل العدوى إلى باقي الاقتصاد: تضخم، ضغط على القدرة الشرائية، وارتباك في سلاسل الإمداد. وهكذا تتحول الحرب من حدث إقليمي إلى عامل ضغط عالمي.


اللافت أن الأسواق لا تنتظر وقوع الحدث، بل تتفاعل مع احتماله. وهذا ما يجعل التصريحات، والتسريبات، وحتى الإشارات غير المباشرة، ذات تأثير حقيقي. في بعض الأحيان، يكفي التهديد لتعطيل جزء من التوازن الاقتصادي.


وفي هذا السياق، تصبح الحرب أداة ضغط مزدوجة: عسكرية، اقتصادية ونفسية في الآن نفسه. لكن هذا الضغط لا يمكن التحكم فيه بالكامل، وقد يرتد على الجميع، بما في ذلك من يحاول استعماله كورقة تفاوض.


نهايات مفتوحة 

حين نصل إلى سؤال المآلات، نجد أن الصورة بعيدة عن الوضوح. لا يوجد سيناريو واحد، بل عدة احتمالات، تتراوح بين تصعيد محدود يُعاد احتواؤه، وحرب أوسع تفرض تدخلات دولية لإيقافها. لكن القاسم المشترك بينها هو غياب الحسم السريع.


في المدى القريب، الأرجح هو استمرار هذا “التوتر المنظم”: ضربات محسوبة، ردود مدروسة، ورسائل متبادلة، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. كل طرف سيحاول تحسين موقعه، دون أن يدفع الثمن الكامل للحرب.


في المدى المتوسط، قد نشهد تغييرات أعمق: تعزيز القدرات العسكرية، إعادة ترتيب التحالفات، وارتفاع منسوب الحذر في المنطقة. كما قد تتسع مساحة الحروب غير المباشرة، سواء عبر أدوات تقليدية أو عبر الفضاء السيبراني.


أما على المدى البعيد، فهذه الحرب تندرج ضمن تحول أكبر في النظام الدولي. لم يعد الحسم السريع ممكنا كما في السابق، ولم تعد القوة وحدها كافية لفرض النتائج. نحن أمام عالم تُدار فيه الصراعات بدل أن تُحسم، وتُؤجل فيه النهايات بدل أن تفرض.


في الخلاصة، لا يبدو أن هناك منتصرا واضحا في الأفق. الرابح النسبي هو من ينجح في الصمود، ويقلل خسائره، ويفرض إيقاعه على المدى الطويل. أما الخاسر الحقيقي، فهو الاستقرار نفسه، الذي يصبح في مثل هذه الحروب مجرد احتمال ضعيف، لا قاعدة قائمة.