مجتمع وحوداث

زكاة الفطر… “طلعات”

عبد الرفيع حمضي

كل سنة، ومع اقتراب عيد الفطر، يعلن المجلس العلمي الأعلى عن القيمة النقدية لزكاة الفطر. هذه السنة حُددت في 23 درهما عن كل فرد. مبلغ بسيط في ظاهره، لكنه يحمل في عمقه معنى روحيا واجتماعيا كبيرا.

زكاة الفطر ليست مجرد صدقة عابرة، بل هي شعيرة ذات دلالة خاصة في الإسلام. فهي، بخلاف عبادات أخرى، لا ترتبط بسن معينة ولا بقدرة فردية خاصة، بل تشمل الجميع: الصغير والكبير، الذكر والأنثى، والقادر ومن يعولهم. حتى المولود الجديد، ما إن يولد قبل العيد، حتى تصبح زكاة الفطر واجبة عنه. وكأن الإسلام يريد أن يغرس في الإنسان، منذ لحظة دخوله إلى الحياة، قيمة العطاء والتضامن مع الآخرين.

وفي الحقيقة، فإن ثقافة الجود والعطاء ليست تفصيلا هامشيا في الحضارة الإسلامية، بل هي جزء من بنية أخلاقية كاملة. فالفقهاء تحدثوا عن الزكاة كفريضة، لكن الأدب الإسلامي تحدث أيضا عن الكرم والسخاء باعتبارهما فضيلتين تبنيان المجتمع وتخففان قسوته. وقد قال أحد الحكماء قديما إن المال إذا دار بين الناس أحياهم، وإذا احتكر أماتهم. ولهذا ظل العطاء في الثقافة الإسلامية ليس مجرد تحويل مالي، بل فعلا أخلاقيا يربط الإنسان بالمجتمع.

وفي المغرب تجسدت هذه الروح في شخصيات تاريخية كثيرة. ولعل من أشهرها سيدي أبو العباس السبتي، أحد رجال مراكش السبعة، الذي ارتبط اسمه بفلسفة كاملة في العطاء. كان شعاره الشهير “الوجود ينفعل بالجود”، أي أن حركة العالم نفسها تتغير بفعل العطاء. ولذلك كان يحث الناس على الصدقة ويجعلها قاعدة لإصلاح المجتمع، حتى أصبح اسمه في الذاكرة المغربية مرتبطا بثقافة البذل والإنفاق.

وفي الذاكرة الاجتماعية المغربية كانت لهذه الروح طقوسها اليومية. في مدينة وزان مثلا، كان الإعلان عن العيد يفتح تقليدا بسيطا لكنه عميق الدلالة. كان الأطفال والمحتاجون يجوبون الأزقة ويطرقون أبواب المنازل طالبين “الفطرة”. وكانت الأسر توزع ما لديها على الأول والثاني والثالث. لكن حين تنتهي الفطرة، كانت العبارة المعروفة التي يسمعها من يطرق الباب: “طلعات”، أي انتهى نصيب الفطرة.

قد تبدو هذه الصورة جزءا من ذاكرة اجتماعية جميلة، لكنها تطرح اليوم سؤالا جديدا في سياق مغرب يتغير بسرعة. فالمغرب خلال السنوات الأخيرة دخل مرحلة جديدة في مجال الحماية الاجتماعية. فقد أطلقت أوراش كبرى لتعميم التغطية الصحية والدعم الاجتماعي المباشر وتنظيم مختلف آليات التضامن. ولم تعد الحماية الاجتماعية مجرد مبادرات متفرقة، بل أصبحت مشروع سياسة عمومية قائمة بذاتها، لها مؤسساتها وآلياتها وقواعدها.

هنا يبرز سؤال مشروع: أليس من الممكن أن تنتقل زكاة الفطر في المغرب من مستوى الالتزام الديني والعادة الاجتماعية إلى مستوى العمل المؤسسي المنظم؟

فالقضية ليست في قيمة المبلغ بقدر ما هي في معنى الفعل نفسه. فالعطاء حين ينظم يصبح أكثر عدلا ونجاعة، ويضمن أن تصل هذه الشعيرة إلى مقصدها الحقيقي: إغناء المحتاج يوم العيد وصون كرامته.

إن تحويل زكاة الفطر إلى عمل مؤسسي عبر آلية منظمة أو صندوق واضح المعالم يمكن أن يحقق عدة فوائد. أولها ضمان وصول هذه المساعدة إلى الفئات الأكثر حاجة بشكل منظم، بدل أن تبقى رهينة الصدفة أو الجغرافيا. وثانيها تقليص مظاهر التسول العشوائي التي تتكرر كل سنة في الأيام الأخيرة من رمضان. فليس كل من يطرق الأبواب محتاجا فعلا، كما أن كثيرا من المحتاجين الحقيقيين لا يطرقون الأبواب أصلا.

لقد علمتنا التجارب الحديثة أن التضامن حين ينظم يصبح أكثر أثرا. لكن التاريخ المغربي يذكرنا أيضا بأن روح العطاء هي التي تمنح هذا التنظيم معناه. وبين حكمة سيدي أبو العباس السبتي التي ترى أن الوجود يتغير بالجود، وبين مؤسسات الحماية الاجتماعية التي يبنيها المغرب اليوم، ربما يمكن أن يولد نموذج جديد للتكافل: نموذج يحفظ روح العطاء، لكنه يمنحه أيضا قوة المؤسسة وعدالتها.

فالعبرة ليست فقط في أن نقول للفقراء “طلعات”، بل في أن نضمن أن تصل الفطرة فعلا إلى من يستحقها، وأن تظل هذه الشعيرة جسرا حقيقيا للتضامن بين المغاربة، لا مجرد عادة موسمية تتكرر كل عام.