فن وإعلام

من الأرشيف الحربي الإسباني: حكاية الجندي المنشق الذي فر من جزيرة بادس إلى المملكة المغربية كي يعتنق الإسلام (الحلقة 18)

أحمد الدافري (إعلامي)

تكشف الوثائق المحفوظة في الأرشيف العام بسيمانكاس (Archivo General de Simancas)، وتحديداً ضمن قسم الحرب والبحرية (Guerra y Marina) في المجلد رقم 215، الورقة 204 (الصورتان رفقته)، عن معطيات تاريخية دقيقة تتعلق بملف قضائي يعود إلى مطلع القرن السابع عشر، تعكس طبيعة الصراع الحدودي والسياسي في الثغور المغربية المحتلة.


 تفاصيل هذه القضية توجد ضمن المراسلة الملكية الموجهة من البلاط الإسباني وتتعلق بملف قضائي فُتح ضد شخص يدعى فابريسيو دي زاموديو (Fabricio de Zamudio)، وهو بحار كان يعمل في خدمة القوات الإسبانية المرابطة بصخرة بادس. 


تشير الوثيقة في استهلالها بوضوح إلى هوية المتهم ودوره الوظيفي، حيث ورد فيها: "...lo sucedido contra Fabricio de Zamudio, que servía de barquero en la dicha fuerza..."، أي "ما حدث ضد فابريسيو دي زاموديو، الذي كان يعمل بحاراً (barquero) في القوة المذكورة".


وتتحدد التهمة الموجهة إلى زاموديو، بناءً على منطوق الأمر الملكي، في محاولة الانشقاق واللجوء إلى الأراضي المغربية، إذ ورد في النص الأرشيفي: "...para que se le imponga la pena por haber querido ir a Berbería..."، أي "لكي تُفرض عليه العقوبة بسبب رغبته في الذهاب إلى بلاد بربيريا (Berbería)".


 وتتجاوز أبعاد هذه التهمة الشق العسكري العادي لتشمل الجانب العقدي والسياسي، حيث تؤكد الوثيقة نية المتهم في اعتناق الإسلام، وهو ما صاغته العبارة التالية: "...y haber de renegar y olvidar la Fe Católica y tornarse moro..."، وترجمتها "ولأنه كان يعتزم الارتداد ونسيان الإيمان الكاثوليكي وأن يصبح مسلماً". 

وبناءً على هذه المعطيات القضائية الصارمة، صدر في حق البحار حكم بالإعدام وعقوبات مالية، وهو ما توثقه الوثيقة بقولها: 

"...se le condenó en pena de muerte en otras penas pecuniarias.." 


وعلى مستوى التحقيق التوثيقي، تعكس المصطلحات القانونية الواردة في الوثيقة صرامة النظام الإداري والقضائي الإسباني في التعامل مع حالات الانشقاق نحو المغرب. فاستخدام لفظ (Autos - السجلات الرسمية) يشير إلى المحاضر التي توثق كافة الإجراءات والشهادات التي جُمعت أثناء المحاكمة في بادس، بينما تعني عبارة (Proceso - المحاكمة/المسار القضائي) المسار الكامل الذي أفضى إلى الحكم. 

كما يحمل طلب الملك استخراج (Traslado - نسخة رسمية منقولة) وتكون (Signado - موسومة بالتوقيع الرسمي) دلالة أكاديمية عميقة، إذ إن النسخة الموسومة هي التي يضع عليها كاتب العدل علامته الخاصة لضمان صحتها. أما اشتراط أن تكون النسخة (Cerrado y sellado - مغلقة ومختومة) وبحيث (Que haga fe - تكتسب الحجية القانونية)، فهو إجراء يهدف إلى إضفاء الصدقية المطلقة على الوثائق المنقولة من الثغور إلى (Consejo - المجلس الملكي) في مدريد.


تُبرز هذه الورقة الأرشيفية تدخلاً مباشراً من السلطة المركزية لمتابعة حيثيات الحكم، حيث أمر الملك كُتّاب العدل باستخراج النسخة بصيغة (Sacado en limpio - نسخة نظيفة واضحة)، أي منقولة بوضوح وبخط يد خالٍ من الشطب، لضمان ما وصفته الوثيقة بعبارة(la buena administración de la justicia - حسن إقامة العدالة). 

وتظل هذه الوثيقة، بتركيزها على تفاصيل النقل والتوثيق الرسمي، شاهداً تاريخياً على حالات الانشقاق الفردي والتحول نحو السيادة المغربية، مما يعكس الجاذبية التي كانت تمثلها الدولة المغربية للفارين من وطأة الخدمة العسكرية في الحصون الإسبانية خلال تلك الحقبة، ويقدم مادة خاماً لتوثيق تاريخ التواجد المغربي وقوته الرمزية في المنطقة.


ملحوظة:

يلاحظ الباحث في الوثائق الأصلية لهذا الملف وجود تشطيبات أو كتابات متداخلة في بعض الأوراق (Folio)، وهو أمر يعود لطبيعة العمل الإداري في تلك الحقبة؛ حيث كانت هذه المسودات تُكتب في البداية كـ "نسخ أولية" (Minutas) تخضع للتصحيح والتعديل من طرف كبار الموظفين أو أعضاء مجلس الحرب قبل اعتمادها. ولأن الورق كان مادة ثمينة، كان الكُتّاب يعيدون استغلال المساحات أو يشطبون على الجمل لتصويب الصيغ القانونية. ولهذا السبب تحديداً، نجد الملك في هذه الوثيقة يأمر باستخراج نسخة "Sacado en limpio" (نسخة نظيفة واضحة)، أي نسخة نهائية رسمية خالية من الشطب والتحوير، لضمان دقة تنفيذ الحكم القضائي وحفظ هيبة المراسلات الملكية.


المرجع التوثيقي للحلقة 18:

 * الأرشيف: الأرشيف العام في سيمانكاس (Archivo General de Simancas - AGS).

 * القسم: الحرب والبحرية (Guerra y Marina - GM).

 * المجلد (Legajo): 215.

 * الورقة (Folio): 204.

 * طبيعة الوثيقة: أمر ملكي (Real Cédula) صادر عن البلاط الإسباني بخصوص مراجعة ملف محاكمة البحار فابريسيو دي زاموديو.

 * السياق التاريخي: القرن السابع عشر، صخرة بادس (Peñón de Vélez de la Gomera).