يرتبط الوجود الإسباني على السواحل المغربية بسياق تاريخي بدأ مع نهاية القرن الخامس عشر، حيث انتقلت استراتيجية "حروب الاسترداد" (Reconquista) من شبه الجزيرة الإيبيرية نحو شمال أفريقيا عبر احتلال نقاط ارتكاز ساحلية عُرفت بـ "Presidios" (الثغور أو الحصون). استهدفت هذه السياسة مراقبة النشاط البحري المغربي وتأمين الملاحة في المتوسط، وكان في مقدمتها صخرة باديس (Peñón de Vélez de la Gomera) التي سقطت لأول مرة عام 1508، ثم استعادها المغاربة عام 1522، قبل أن يعاد احتلالها عام 1564 في عهد الملك فيليب الثاني عبر حملة عسكرية ضخمة..
وفي مرحلة لاحقة، تم احتلال صخرة النكور (Peñón de Alhucemas) عام 1673 خلال عهد السلطان المولى إسماعيل، بينما ظلت جزيرة ليلى أو المعدنوس (Isla de Perejil) منطقة نزاع سيادي خاضعة للتنافس الاستعماري نظراً لموقعها الاستراتيجي في مضيق جبل طارق. إن هذا المسار التاريخي يوضح أن اقتطاع هذه الصخور كان عملاً عسكرياً صرفاً حول جغرافيا طبيعية صغيرة إلى ثكنات معزولة تفتقر لأي نسيج سكاني طبيعي، وتعتمد في بقائها على التموين الخارجي المستمر من الموانئ الإسبانية.
وتكشف وثائق الأرشيف العام لسيمانكاس (Archivo General de Simancas)، وتحديداً ضمن ملفات "مجلس الحرب" (Consejo de Guerra) المسجلة تحت الرمز G A Leg. 215، معطيات دقيقة حول طبيعة الإدارة الإسبانية لهذه الثغور خلال الربع الأخير من القرن السادس عشر. تظهر الورقة الأولى (Folio 1) من هذا الملف طبيعة المداولات اليومية داخل "مجلس الحرب" التابع للملك فيليب الثاني بخصوص الوضع في جزيرة بادس ومليلية، حيث نجد النص مكتوباً بخط إسباني تاريخي يُعرف بـ "البروسيسال" (Letra Procesal). وهو نوع من الخطوط المتصلة التي سادت في الدوائر الإدارية والقضائية الإسبانية ما بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر، ويتميز بربط الحروف والكلمات ببعضها البعض دون رفع القلم، مما منحه سرعة في التدوين وحوله إلى ما يشبه الشفرة الإدارية التي دون بها كتبة الملك أدق تفاصيل العمليات العسكرية. ويوثق النص المكتوب بهذا الخط ملحوظة إدارية (Anotación) جاء فيها:
"Hauiendo comunicado lo que Vuestra merced mando con el señor Don Pedro dize que conuendra que se buelua a Ver Mañana en el Consejo".
(ترجمتها: بعد إبلاغ ما أمرتم به إلى السيد دون بيدرو، يقول إنه سيكون من المناسب إعادة النظر فيه غداً في المجلس).
تشير هذه العبارة إلى أن القضايا المتعلقة بهذه المواقع كانت تخضع لمراجعة يومية مستمرة ومداولات جماعية، مما يعكس واقع الإدارة العسكرية التي كانت تتعامل مع هذه الثغور كمنشآت دفاعية تتطلب مراقبة لحظية وتنسيقاً عالي المستوى لمواجهة الضغط الممارس من السيادة المغربية المحيطة بها.
وتحتوي الورقة رقم 48 (Folio 48) على تقرير مفصل يوثق الحركة التجارية والرقابية، حيث جاء في نصه الأصلي:
"Relacion y quentas delas cantidades y generos de mercadurias que sean cargado Por la playa dela ciudad de Velez eneste año de milly quis y ochenta y siete años"
(ترجمتها: تقرير وحسابات كميات وأنواع البضائع التي شُحنت عبر شاطئ مدينة بادس في هذه السنة من ألف وخمسمائة وسبعة وثمانين عاماً).
ويضيف النص:
"Joan dela corte vecino y Regidor dela ciudad de Velez cargo Para bretana en una nabe que venia de francia..."
(ترجمتها: خوان دي لا كورتي، ساكن ومستشار مدينة بادس، شحن إلى بريتانيا في سفينة قادمة من فرنسا...)..
ويفصل التقرير كميات البضائع بذكر: "Doscientas y ochenta y seis arrobas de Passas..."
(ترجمتها: مائتان وستة وثمانون أروبة من الزبيب...)،.
و"Cinquenta y seis arrobas de Almendras..." (ترجمتها: ستة وخمسون أروبة من اللوز...).
ومن الناحية التقنية، تعتمد هذه الوثيقة وحدة "الأروبة" (Arroba) في تقدير الأوزان، وهي وحدة مشتقة من تسمية "الربع" العربية (أي ربع القنطار)، وتعادل في المقاييس المعاصرة حوالي 11.5 كيلوغرام. وبناءً عليه، فإن كمية 286 أروبة من الزبيب المذكورة في المخطوط تعادل حمولة تزن حوالي 3289 كيلوغراماً، مما يبرهن على توظيف جزيرة بادس كمركز رقابة عسكري يهدف إلى رصد الشرايين الاقتصادية المغربية في منطقة الريف وتدوين أدق تفاصيل حركتها التجارية، محولاً هذه النقطة إلى أداة لتعطيل السيادة البحرية للمدينة وتطويق نشاطها التجاري الذي كان يمتد نحو الموانئ الأوروبية.
من جانب آخر، يوثق التقرير الصادر عن المزود العام للأسطول بمدينة مالقة، "بيدرو فيردوغو"، والمؤرخ في مايو 1587 (Folio 161)، قوائم الاحتياجات الضرورية لإغاثة (Socorro) مليلية وجزيرة بادس. تشمل هذه القوائم مواد استهلاكية أساسية مثل الزيت، واللحم المملح (Tocino)، وأقمشة الكتان الضرورية لكسوة الجنود. يعكس هذا الاعتماد المطلق على التموين الخارجي غياب أي موارد إنتاجية محتلة داخل هذه الثغور، ويؤكد طبيعتها كأجسام عسكرية غريبة تعتمد في بقائها الفعلي على الجسور البحرية الممتدة من الموانئ الإيبيرية لتأمين استمرارها فوق الأرض المغربية. وتكتمل صورة هذه الهشاشة في الورقة رقم 162 (Folio 162) التي تسجل واقعة استيلاء ثلاث سفن إنجليزية عند جزيرة "البران" على السفينة الإسبانية (Galera) التي كانت تحمل الإمدادات المذكورة. إن فقدان هذه الشحنة التي كانت تضم العتاد العسكري والملابس والمواد الغذائية يبرهن على أن التواجد الأجنبي في هذه الصخور والجزر كان يعيش حالة حصار طبيعي، عاجزاً عن تكوين أي نسيج اقتصادي مستقر بعيداً عن المعونات العسكرية والتموينية القادمة من خلف البحار.
◾️المرجع التوثيقي للحلقة 17:
* Archivo General de Simancas (AGS), Sección Guerra y Marina (GYM), Legajo 215.
* الأوراق المخطوطة: 1، 48، 161، 162.








