قطع الشك باليقين ، بعد خروج الحكومة لتؤكد رسميا موعد الانتخابات التشريعية يوم 23 شتنبر من السنة الجارية 2026 ، وهي محطة سياسية مفصلية تأتي في سياق وطني ودولي خاص ، تتقاطع فيه التحولات الجيوسياسية المتسارعة مع رهانات داخلية كبرى مرتبطة بتعزيز الاستقرار المؤسساتي ومواصلة مسار التنمية الشاملة وبناء مغرب 2030 ، تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس .
إن تنظيم الانتخابات في موعدها الدستوري كما جاء في التعليمات الملكية السامية يبعث برسالة قوية حول متانة المؤسسات واستمرارية المسار الديمقراطي بالمملكة ، رغم ما يشهده العالم من أزمات سياسية واقتصادية وحروب طاحنة ، تسير في اتجاه إعادة رسم خرائط التحالفات الدولية ، والتأثير على الاقتصاد العالمي وسلاسل التوريد والاستثمار .
وفي خضم هذه التحولات ، يواصل المغرب تعزيز موقعه الإقليمي والدولي ، بفضل الدبلوماسية الملكية الحكيمة التي نجحت في تدبير العديد من الملفات الاستراتيجية بكفاءة ، وفي مقدمتها ملف الصحراء المغربية الذي يشهد تحولات متسارعة في اتجاه تنزيل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل وحيد جدي وواقعي للنزاع المفتعل . كما تأتي هذه الانتخابات في سياق إطلاق أوراش وطنية كبرى ، من بينها مشاريع الموانئ الاستراتيجية والبنيات التحتية الضخمة ، إلى جانب تنزيل التوجيهات الملكية السامية المرتبطة بالتنمية الشاملة ، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية والاقتصادية ، بما يضمن تكافؤ الفرص بين جميع فئات المواطنين ويعزز دينامية الاستثمار والإنتاج وتشجيع التصدير واقتحام المنافسة العالمية ، وهي أوراش تتطلب لا شك مؤسسات منتخبة قوية ، وكفاءات سياسية قادرة على مواكبة التحولات والمرونة في صياغة تشريعات تتلاءم مع متطلبات المرحلة .
ومن هذا المنطلق ، فإن الانتخابات اليرلمانية المقبلة ليست مجرد محطة انتخابية عادية ، بل اختبار حقيقي لقدرة الفاعلين السياسيين على تجديد النخب وضخ دماء جديدة في المشهد السياسي ، الذي يعاني في كثير من الأحيان من الترهل وضعف الأداء . فالمطلوب اليوم تقديم وجوه سياسية تمتلك الكفاءة والنزاهة والرؤية الواضحة لتدبير الشأن العام ، وقادرة على المساهمة الفعلية في تطوير العمل التشريعي والرقابي داخل المؤسسة البرلمانية .
إن المرحلة الدقيقة التي يمر بها المغرب تستدعي وجود فرق برلمانية قوية وفاعلة ، قادرة على تحريك الآلة التشريعية وتسريع المصادقة على القوانين الضرورية لمواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية ، ومعالجة الاختلالات التي تعاني منها قطاعات حيوية ، وعلى رأسها تدبير الصفقات العمومية ، ومحاربة تبديد المال العام ، وتعزيز الحكامة الجيدة في تدبير الموارد وخلق الثروة والعدالة في توزيعها .
كما أن نجاح هذه المحطة الديمقراطية يظل رهينا بمدى احترام قواعد الشفافية والنزاهة في العملية الانتخابية ، وإلزام الأحزاب السياسية بالكشف عن مداخيلها ومصاريفها وتقديم تقارير مفصلة إلى المجلس الأعلى للحسابات .
إن التصويت أمانة ومسؤولية وطنية ، والنجاح في تنظيم انتخابات 23 شتنبر لا يقتصر فقط على تنظيمها في موعدها الدستوري ، بل يرتبط أساسا بالنجاح في تنزيل التعليمات الملكية الخاصة بمعالجة الفوارق المجالية والقطع مع سير المغرب بسرعتين ، والصرامة في ردع كل من يخرق القانون الانتخابي ، مهما كانت صفته أو موقعه ، حتى تتحول هذه المحطة إلى فرصة حقيقية لتجديد الثقة في العمل السياسي ، وانخراط الشباب بقوة في تدبير الشأن العام ، ومشاركة الكفاءات والطاقات والسواعد الشابة في بناء مغرب الغد .
دشن بعض قادة الأحزاب السياسية حملة إنتخابية سابقة لأوانها بخطابات تزرع الفرقة وبذور الشقاق ؛ بعضهم يفعل ذلك لضمان بقائه أطول مدة ممكنة ممسكا بكراسي الحكومة الفارهة والبعض الآخر ليس له أي برنامج يمكن أن يقنع به الرأي العام فيعتقد أن خطابه الشعبوي الذي يستهدف خصما سياسيا كفيل بإلحاقه بسيارة الحكومة المقبلة .
طبعا ، وهذه حقيقة لا تحتاج الى تبيين ، حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ليس من هذا البعض ولا ذاك البعض ، هو وحده استثناء ؛ حزب يترفع بل يقطع مع خطابات السب والقذف ومع خطاب الشعبوية ...إنه حزب سيدخل الانتخابات القادمة ، كما الانتخابات السابقة ، بخطاب يزرع الأمل وببرنامج انتخابي واضح ، واقعي ومستقبلي .
إن الاتحاد الاشتراكي له من الكفاءات الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية... وله من الرصيد التاريخي في الأدبيات السياسية الرفيعة ...ما يجعله في غنى مطلق عن مكاتب الدراسات التي يستنجد بها هذا البعض وذاك البعض ، وبمقابل مالي معتبر جدا !
هنا يطرح سؤال نفسه بشدة هل ممكن ان نأمل حصول تغيير سياسي حقيقي ، بعد الاستحقاقات المقبلة مع استمرار نفس الوجوه بنفس الخطاب ؟ وكيف يمكن للطبقة السياسية ان تجعل من المحطة الانتخابية المقبلة فرصة جديدة للتنمية وإعادة الثقة في ممارسة الشأن العام ؟
ان الرهان اليوم ، ليس بسيطا ولا هينا هو مرتبط بإعادة الثقة في المؤسسات واغراء المواطن بالذهاب الى صناديق الاقتراع لأنها هي الطريقة الوحيدة للتقرير في مصيره السياسي ، وهو ما يتطلب توجيه جهود الأحزاب السياسية نحو زرع الأمل وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية ، وليس دفع المواطنين باتجاه تصعيد حالة الغضب والابتعاد لسنوات ضوئية عن المشاركة ، لأنه لا يجد أجوبة واقعية عن همومه من فقر وبطالة وأمية وهذا لن يتحقق اذا لم توقف الأحزاب اياها إطلاق الأعيرة الباردة بينها وتنهج خطابا وممارسة إيجابيتين من أجل مصلحة البلد .
باختصار نحتاج الى خطاب نوعي وتوعية للأحزاب الوطنية وتحفيز للمواطن لتجاوز حالة اللاهتمام ...
إن الظرفية السياسية التي نعيشها والرهانات الكبرى التي تكتنف استحقاقات 2026 تضعنا فعلا وحقيقة لا مجازا أمام تحديات وأوضاع في غاية الدقة ، .
حقيقة لا مجازا نحن في حاجة الى ضبط الحسابات السياسية على عقارب زماننا ، وأكثر من أي وقت مضى .
نحن في حاجة إلى الانتباه لمخاطر عودة سيطرة الوجوه القديمة والمستهلكة الى واجهة المؤسسات ... .
نحن في حاجة الى الانتباه الى مخاطر ترك الحبل على الغارب ، في موضوع حالة الانفصام والانفصال والاغتراب بين نبض الشارع وذبذباته وبين حياة المؤسسات وديناميتها الخاصة ... .
نحن في حاجة الى الاقتناع الجماعي بالحاجة الى إعادة بناء الثقة بين الفرقاء الأساسيين ، بين الدولة والمجتمع ، باعتبارها أضمن وأقوى تأثيرا على النفوس من أية قوة عارية قد تتصور أو يتصور أصحابها انهم قادرون على الحسم في كل الظروف .
في حاجة الى القناعة الجماعية ، بعد التقاط اشارات الحراك الشعبي ، بأن انتحاريي الريع والذين يضعون مصالحهم فوق مصالح البلد كيفما كانت الظروف ، يجرون البلاد الى مأزق وانحباسات خطيرة .
نحن في حاجة الى الوعي بخطورة هؤلاء ومخاطر ما يدفعون اليه ، وأكثر من أي وقت مضى .
نحن في حاجة إلى الاقتناع الجماعي بأن السياسة اذا غاب عنها الجمهور وتقلصت المشاركة في الانتخابات الى لعبة نخب حضرية وقروية ، بعيدا عن الكتلة الشعبية الواسعة ( الماينستريم بلغة العلوم السياسية ) تصبح ممارسة مقرفة وتتحول الانتخابات الى محطة تزيد في تنفير الناس من السياسة والسياسيين .
نحن في حاجة اليوم إلى الاقتناع بمخاطر غياب الجمهور عن السياسة .
نحن في حاجة الى مغرب يقوم على قيم واضحة للجميع انطلاقا من مجتمع الديموقراطية وحقوق الانسان . ديموقراطية تنتفي فيها القبلية والدموية والمحسوبية والبيروقراطية القاتلة ، ويحتكم الناس الى القانون . ديموقراطية تكون فيها القوانين مسايرة لتطور المجتمع ولتطورات العصر . وحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا انطلاقا من المرجعيات الدولية الموجودة في هذا الصدد .
نحن في حاجة الى مغرب دولة المؤسسات ودولة الديموقراطية التشاركية ، لكن انطلاقا من قيم الديموقراطية كما هي معروفة ، وليس ديموقراطية صناديق الاقتراع الشعبوية ( توظيف الدين والمال ) ، وأكثر من أي وقت مضى .
المغرب الذي نريد ، مغرب السرعة الواحدة ، يعيش فيه الناس باختلاف وتسامح وبحقوق مضمونة . لكن أيضا بتنمية تحقق للمغرب مكانته الوطنية والاقليمية والدولية ، واكثر من أي وقت مضى...






