في وقت تدير فيه المملكة المغربية معاركها الدبلوماسية والاقتصادية الضروس على نيران هادئة لتثبيت أقدامها كقوة إقليمية وازنة على الصعيد الجهوي والقاري، في سياق عالمي مطبوع بالاضطراب وعدم اليقين وبنشوب حروب من شأنها تغيير ملامح خرائط، تواجه بلادنا حربا أخرى من نوع أخر، تدخل ضمن الأشكال والأساليب الجديدة في إدارة الحروب الحديثة، تلك الحروب الصامتة اللا مرئية، إلا أنها مع ذلك تبقى بالغة الشراسة والفتك، كما أن تأثيرها أقوى وأبلغ وأشد..
الأمر يتعلق بالحرب "السيبرانية" التي لم تعد مجرد اختراقات عابرة أو هنات وهفوات فردية أو مجموعاتية، بل تصاعدت لتكشف عن وجه خفي لأجندات دولية منظمة، هدفها بكل الوسائل تقزيم الطموح المغربي في لحظات حاسمة من مساره التنموي، وزعزعة ثقة المغاربة في مؤسساتهم ، وضرب كيانهم الهوياتي والثقافي بكافة الطرق والأساليب.
الأرقام المفزعة التي أصدرتها تقارير سنة 2025 تكشف الستار عن حجم الهجمات التي تتعرض لها بلادنا، وتبرز بالملموس المستوى المتقدم الذي بلغته هذه الحرب، فقد صدت حلول الأمن الرقمي (كاسبرسكي) أزيد من 21 مليون تهديد سيبراني استهدف المغرب في النصف الأول من سنة 2025 ، أما على الصعيد الرسمي، فقد أعلنت المديرية العامة لأمن نظم المعلومات التابعة لإدارة الدفاع الوطني عن تسجيل 879 حادثا سيبرانيا خلال نفس السنة، تطلب أكثر من 100 تدخلا ميدانيا مباشرا لمركز اليقظة والرصد، مما يعكس تحول الهجمات من "الكم" إلى "النوعية" و"الخطورة".
هذه ليست حربا عشوائية، من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم، على رأي زهير بن أبي سلمى، لا، هذه حرب حقيقية يتصاعد أوارها وتشتد وطأتها مع كل اختراق سياسي أو اقتصادي أو دبلوماسي يحققه المغرب، وهي تستهدف بشكل مركز وكثيف القطاعات ذات الأهمية الحيوية البالغة، مثل قطاع الاتصالات والأبناك والطاقة، إضافة إلى المحاولات المتكررة لضرب المنصات والمواقع الحكومية، كما حدث مؤخرا من خلال استهداف مؤسسات استراتيجية مثل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ووزارة التشغيل، في محاولات متكررة لا تنقطع للمس بالأمن القومي المغربي وزعزعة الثقة بين المواطن والمؤسسات، وبعث رسائل تشويش للقوى الدولية التي ترى في المغرب شريكا استراتيجيا موثوقا وآمنا وذي مصداقية.
إن طبيعة التهديد السيبراني الذي يستهدف المملكة يندرج ضمن ما يعرف "التهديد الهجين"، حيث يتم دمج الهجوم الرقمي بحملات التضليل الإعلامي لضرب "السيادة الرقمية" لبلادنا، فالمغرب الذي صنف ضمن المراتب الأولى عالميا في مؤشر الأمن السيبراني (GCI)، بات اليوم أمام فوهة مدفع قوى إقليمية ودولية يزعجها تحوله إلى قطب رقمي وصناعي، (خاصة في صناعات الطيران والسيارات والطاقات المتجددة)، مما يجعل من اختراق أنظمته الصناعية هدفا استراتيجيا لتعطيل سلاسل الإمداد وضرب تنافسيته الدولية.
أمام هذا الأمر، وفي مواجهة هذا الواقع المعقد، يلزم القول إن الأمن السيبراني لم يعد مجرد ترف تقني فائض عن الحاجة، لقد صار عقيدة دفاعية وجودية، حتى إن الدعوات التي تعالت موجهة للمغرب من عديد الخبراء والمختصين بضرورة ووجوب إنشاء "جيش سيبراني" متكامل ليست من المبالغة في شيء، بل إنها لا تعدو أن تكون استجابة لواقع جديد ومستجد يفرض حماية قصوى ل"الحدود الافتراضية" بنفس الحزم الذي تحمى به الحدود البرية والبحرية.
إن الحرب القادمة لن تربح فقط بالدبلوماسية والاقتصاد، ولن تربح بالتبعية الرقمية والتقنية، بل بقدرة أنظمتنا المشفرة والمحصنة ضد الاختراقات بكافة ألوانها على الصمود أمام سيل من الخوارزميات المعادية التي تسعى لاختطاف حلم الريادة المغربية ووأده في المهد في زمن حروب معاصرة غير مسبوقة في التاريخ وغير تقليدية بالمرة.






