كلما حل الثامن من مارس، تتجدد النقاشات حول أوضاع النساء وحقوقهن، وتكثر المبادرات الرمزية التي تحتفي بمكتسبات المرأة، غير أن هذا الموعد الأممي ينبغي أن يكون، في السياق المغربي، مناسبة لطرح سؤال جوهري: إلى أي حد تصل أصوات النساء في المناطق القروية والجبلية إلى الفضاء العمومي وإلى صناع القرار؟
واقع الحال يشير إلى أن جزءا مهما من معاناة النساء والفتيات في هذه المناطق ما يزال يعيش في الظل، بعيداً عن عدسات الكاميرات ومنابر النقاش الإعلامي. ففي العديد من القرى والمناطق الجبلية، تواصل الفتيات مواجهة صعوبات حقيقية في متابعة دراستهن بسبب بعد المؤسسات التعليمية أو هشاشة وسائل النقل المدرسي، وهو ما يساهم في استمرار الهدر المدرسي في صفوفهن.
كما تعاني نساء كثيرات من ضعف الولوج إلى الخدمات الصحية الأساسية، خصوصا في المناطق النائية التي تعرف خصاصا في البنيات الصحية والأطر الطبية.
وإلى جانب ذلك، تتحمل المرأة القروية أعباء يومية ثقيلة تتراوح بين العمل المنزلي والمساهمة في الأنشطة الفلاحية، فضلا عن مهام شاقة كجلب الماء أو الحطب في بعض المناطق، وهي أعمال غالبا ما تبقى غير مرئية في الحسابات الإقتصادية والإجتماعية.
في هذا السياق، يصبح الإعلام، وخاصة الإعلام العمومي، أمام مسؤولية مضاعفة، فوظيفة الإعلام لا تقتصر على مواكبة الأحداث، بل تمتد إلى تسليط الضوء على القضايا التي تهم المجتمع، وإعطاء الكلمة للفئات التي لا تجد دائما منفذا للتعبير عن معاناتها.
الإعلام العمومي، بحكم رسالته وخدماته الموجهة لجميع المواطنين، مطالب بأن يقترب أكثر من الواقع اليومي للنساء في القرى والجبال، فالتقارير الميدانية والبرامج الحوارية والوثائقيات يمكن أن تشكل جسرا حقيقيا بين هذه الفئات المهمشة وبين الرأي العام الوطني، كما أن إبراز قصص النجاح التي تحققها نساء قرويات في مجالات التعاونيات أو المبادرات المحلية يساهم في تقديم صورة أكثر إنصافا وتوازنا عن المرأة في العالم القروي.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في نقل المعاناة، بل أيضا في تحويلها إلى موضوع نقاش عمومي جاد يدفع نحو البحث عن حلول عملية ومستدامة. فالإعلام القادر على طرح الأسئلة الصعبة وإثارة القضايا المنسية هو إعلام يؤدي دوره الحقيقي في خدمة المجتمع.
إن تخليد يوم 8 مارس لا ينبغي أن يظل مناسبة للإحتفاء الرمزي فحسب، بل يجب أن يكون أيضا لحظة لمساءلة الذات الجماعية حول مدى قدرتنا على جعل قضايا النساء في المناطق الهشة جزءا من الأولويات الوطنية.
فالمرأة القروية ليست مجرد موضوع للخطاب الإحتفالي، بل هي فاعل أساسي في التنمية المحلية، وصوتها يستحق أن يسمع بوضوح في الفضاء الإعلامي، وهنا بالضبط يكمن الدور الحقيقي للإعلام العمومي: أن يكون مرآة صادقة للمجتمع بكل تنوعه، وأن يمنح الهامش حقه في الظهور والكلمة.






