عرفت المرحوم سي محمد بن عيسى فنانا مبدعا بالعدسة والكاميرا، قبل أن يصبح مديرا لصحيفة "الميثاق الوطني"، وأجريت معه حوارا حول مساره الفني في التصوير الفوتوغرافي، لجريدة "المسيرة الخضراء"، التي كانت تصدر في شارع علال بن عبد الله، في العاصمة السياسية، منتصف السبعينيات، عن مجموعة "لوماتان" في عهد المرحوم مولاي أحمد العلوي.
كانت صحيفة "المسيرة الخضراء" تنشر صفحة تحت عنوان " حياة العاصمة"، عن أخبار الرباط، أقوم بإعدادها مع الفقيد سي عبد السلام السفياني، رائد الصحافة ، الذي كان يسمح لتوقيعي الصغير ، بالظهور إلى جانب اسمه الكبير، وهو الذي يجر وراءه تاريخا من الكتابة الساخرة.
في أحد الصباحات، من شهر ديسمبر سنة 1976 وأثناء اجتماع التحرير، كلفني الفقيد سي محمد الطنجاوي، رئيس تحرير صحيفة "المسيرة الخضراء"، بإجراء حوار موسع مع سي محمد بن عيسى، بمناسبة إقامة معرض لأعماله الفوتوغرافية، في قاعة "المعمل" بالرباط.
كان الرجل عائدا من تجربة غنية في كواليس الأمم المتحدة، بنيويورك ومنظمة الأغذية والزراعة، بروما، كخبير في الإعلام والتواصل، بحكم المهام التي مارسها، وهو الحاصل على شهادة التخرج في إحدى الجامعات الأمريكية.
اذكر أن سي بن عيسى أهداني في ختام اللقاء كتابا جميلا مصورا بعدسته، كان قد صدر سنة 1974 حول ذاكرة الطفولة بمسقط رأسه، أصيلة، ممهورا بتوقيعه، ومطرزا بشذرات شعرية لصديقه الكاتب الطاهر بنجلون.
احتفت الصحيفة المذكورة بحديث سي بن عيسى، بتوجيه من سي الطنجاوي، وخصصت له مساحة هامة على خمسة أعمدة، في صفحة "حياة العاصمة"، اعتبارا لما لعمله الفوتوغرافي من تميز في ملامسته للقضايا الإنسانية، الملتقطة بعدسة ذكية، ورؤية إبداعية.
ولم يخطر في بالي أبدا، آنذاك، أنه في القادم من الأيام سوف اشتغل، كصحفي، ضمن طاقم التحرير، تحت الإشراف المباشر للسيد محمد بن عيسى، الذي تولى إدارة صحيفة "الميثاق الوطني"، خلفا للفقيد سي عبد الله الستوكي، وعين المرحوم سي محمد الطنجاوي رئيسا للتحرير.
يحسب للسيد محمد بن عيسى، كإعلامي، أثناء إدارته ل"الميثاق الوطني"، أنه كان منفتحا، ويتسم بقدرة اقتراحية، ساعيا باستمرار إلى التطوير في الشكل والمضمون، مستعينا بتجربته الدولية في مجال الإعلام، واحتكاكه بوسائل الاتصال العالمية، وحصوله على شهادات في الصحافة والاتصال.
بحكم انفتاحه، سياسيا وثقافيا وإعلاميا، بادر إلى نسج خط تحريري يسمح بنشر الرأي الأخر، تكريسا لثقافة الاختلاف، وهو الذي أطلق صفحة "منبر حر"، في الصحيفة، لتكون منصة مفتوحة في وجه الجميع.
يومها، كان الصديق محمد أوجار هو المكلف بكتابة افتتاحيات الصحيفة، للتعبير عن المواقف السياسية لحزب التجمع الوطني للأحرار في تفاعله مع الأحداث، علاوة على ركن يومي، يسار الصفحة الأولى، بعنوان " وبعد"، قبل أن يصبح مديرا، خلفا للفقيد مصطفى اليزناسني.
وفي ارتباط مع مقتضيات التوجه الحداثي، سارع بن عيسى إلى إضفاء لمسات من التجدد على إخراج الصحيفة، وذلك بإصداره لقرار إلغاء أجهزة "اللينوتيب" القديمة، الخاصة بالتنضيد الآلي للمقالات بالرصاص الذائب الساخن، وإدخال الحواسيب لأول مرة إلى المطبعة، تحت إشراف مديرها الصديق محمد رشدي، المعروف بسي ابراهيم.
وتماشيا مع شغفه بالصورة، كان بن عيسى حريصا على جماليتها وإعطائها مساحة اعتبارية في الجريدة، متابعا أدق التفاصيل، ومنها مثلا إلحاحه على ضرورة وضع التعليق أو الاسم، أسفل كل صورة للتعريف بصاحبها، حتى ولو كان نجما مشهورا.
لن أدعي أبدا، أن سي بن عيسى كان صديقا حميما، ولكنه، بطبعه، كان رجلا ودودا مع كل المحررين في الصحيفة، والعلاقة بيننا، كانت علاقة رئيس بمرؤوسه، يسودها التقدير والاحترام.
مهنيا، أدين له بالكثير من أفضاله علي، ومنها أنه هو الذي عينني رئيسا لتحرير الصحيفة، ولم يبخل علي يوما بالتوجيه والنصح والإرشاد، والدعم والمساندة، وإبداء الملاحظة بكل كياسة ولباقة لتصويب خطأ ما، حدث سهوا..
إنسانيا، لا أنسى له أبدا، أن يوم ازدياد مولود جديد في بيتي، طلبت تسبيقا ماديا من الإدارة، لمواجهة تكاليف حفل العقيقة، فاستدعاني لمكتبه، وقدم لي مبلغا ماليا جد محترم، يكفي لتغطية كل المتطلبات التي تقتضيها هذه المناسبة، وقال لي بالحرف، وهو يبتسم:" هذه هدية صغيرة للوليد".
في تلك الحقبة، كان هناك شاب مفعم بالحماس والطموح، يطرق باب الصحافة، بنشره لمقالات ومقابلات مع المبدعين، في " الميثاق الوطني"، ومنها حديث أجراه مع الفنان المصري الكبير، جورج بهجوري، في باريس، قبل أن يلتحق بلندن للعمل في صحيفة" الشرق الأوسط".
إنه الصديق الكاتب والصحافي حاتم البطيوي الذي انتخب يوم 22مارس سنة 2025 أميناً عاماً لـ"مؤسسة منتدى أصيلة"، خلفاً لمحمد بن عيسى، ليواصل حمل الرسالة، استكمالا لما بدأه مؤسسها الذي دخل السياسة من بوابة الصحافة والإعلام، والثقافة والفنون بمختلف تجلياتها وتعبيراتها.
بهذا العشق للإبداع، جعل بن عيسى من أصيلة، عبر موسمها الدولي، مدينة للفنون، وواجهة للثقافة التي تسهم في خدمة التنمية، اقتصاديا واجتماعيا.
...........................................
الصورة المرفقة مع هذه الكلمة، من ارشيفي الشخصي، التقطت يوم تنصيب محمد بن عيسى، وزيرا للثقافة، وتعيين الفقيد سي مصطفى اليزناسني، مكانه مديرا لصحيفتي "الميثاق الوطني" بالعربية، و"المغرب" بالفرنسية.
رحم الله الفقيدين العزيزين، فقد خلفا وراءهما الأثر العطر، سمعة طيبة، وحصيلة طيبة من المنجز الثقافي والإعلامي.






