لا أعلم كيف يعترف البعض بتدخل إيران في دول عربية، وبأن سياساتها ساهمت في تفكيك دول وإضعاف مؤسساتها في العراق وسوريا واليمن ولبنان، ثم يقفز مباشرة إلى نتيجة تدعونا لدعمها تحت شعار “أخف الأضرار”.
المشكلة ليست فقط في هذا التناقض، بل في الخطاب الذي يرافقه. فبدل مواجهة الحقائق، يلجأ بعض المدافعين عن إيران إلى خطاب عاطفي وملاحمي يصوّر كل نقد لها وكأنه اصطفاف مع إسرائيل أو الولايات المتحدة. وكأن المنطقة لا تملك حق التفكير خارج هذه الثنائية الساذجة.
الأدهى أن هذا الدفاع غالبًا ما يتخفّى خلف لغة “المقاومة” بينما يتجاهل واقع الميليشيات، وتفكيك الدول، وتحويل المجتمعات إلى ساحات نفوذ إقليمي. فيصبح من ينتقد هذا المشروع متهمًا بالخيانة، بينما يتحول الدفاع عنه إلى موقف “مبدئي”.
بل إن بعض هذه الخطابات يذهب أبعد من ذلك، فيعيد تفسير الصراعات بمنطق الملاحم الدينية؛ مرة باسم معركة كبرى في الشرق الأوسط تمهد لنهاية تاريخية، ومرة باسم سرديات مذهبية تنتظر لحظة “النصر النهائي”. وهكذا يُستبدل التحليل السياسي بنبوءات، وتُستبدل الجغرافيا السياسية بلغة الأساطير.
لكن الحقيقة أبسط من كل هذه السرديات:
الدول لا تُبنى بالملاحم، ولا تُحمى بالشعارات، ولا تُدار بانتظار لحظة غيبية تنتصر فيها عقيدة على أخرى.
أما تحويل كل نقد لسياسات إيران إلى خيانة، فهو ليس موقفًا سياسيًا ناضجًا، بل هروب من مواجهة سؤال بسيط:
هل ما يحدث في المنطقة سياسة دولة… أم مشروع نفوذ يُبرَّر بخطاب ملحمي…؟






