مجتمع وحوداث

لماذا يرمي مهندس معماري خوذته ليصبح متسولا رقميا؟

برعلا زكريا

يمثل مسار المهندسة المعمارية سكينة بنجلون مؤشرا دالا على تحول بنيوي عميق يضرب منظومة القيم الاقتصادية والاجتماعية في المغرب حيث لم يعد التكوين الأكاديمي العالي أو الموقع المهني المرموق ضمانة كافية لتحقيق الارتقاء الطبقي المنشود. قرار حاملة الدكتوراه في قانون التعمير بمغادرة مكاتب الدراسات الهندسية لصالح منصات البث المباشر لم يكن مجرد رغبة عابرة في الشهرة بل استجابة براغماتية لواقع سوقي جديد تراجعت فيه العائدات المادية للوظائف التقليدية أمام التدفقات المالية الضخمة للاقتصاد الرقمي. تظهر لغة الأرقام بوضوح الهوة السحيقة بين راتب مهندس دولة في القطاع الخاص الذي بالكاد يغطي تكاليف المعيشة الأساسية وبين مداخيل المؤثرين التي تتيح تمويل نمط عيش باذخ يشمل العقارات الفاخرة والسيارات الفارهة مما يجعل خيار الهجرة نحو المنصات الرقمية قرارا تحكمه لغة الأرقام المجردة من منظور الربح والخسارة يعيد ترتيب أولويات النجاح بعيدا عن المسارات الكلاسيكية التي طالما اعتبرت المصعد الاجتماعي الوحيد.

 

تعتمد البنية الاقتصادية لهذا النموذج الجديد على آليات تختلف جذريا عن منطق الإنتاج والعمل المألوف إذ يتم تسييل الحياة الخاصة والاستعراض الاجتماعي كما في حالة بنجلون أو استثمار السخط والجدل السياسي كما هو الشأن بالنسبة لليوتوبر حميد المهداوي. رغم التباين الظاهري في المحتوى المقدم فإن النموذجين يعملان ضمن دورة اقتصادية واحدة تحول الجمهور من مجرد متلق سلبي للمعلومة أو الترفيه إلى ممول نشط يضخ السيولة النقدية مباشرة. تعمل هذه الآلية عبر تقنيات الهدايا الرقمية وخدمات الدعم المالي المباشر التي توفرها التطبيقات مما يخلق سوقا موازية تشبه إلى حد كبير نظام الغرامة التقليدي في الأعراس والمناسبات حيث يشتري المانح لحظة اعتراف عابرة واسما يتردد أمام الآلاف مقابل مبالغ مالية قد تفوق قدرته الشرائية الحقيقية مشبعا بذلك حاجة نفسية للاعتراف والظهور لا يوفرها له واقعه الاجتماعي الهامشي.

 

يفرض هذا الواقع الرقمي تحديات قانونية وأخلاقية تتجاوز مجرد المخالفات العابرة لتصل إلى مستوى الاستراتيجية المتعمدة حيث تحول الاعتقال والمتابعات القضائية بتهم التشهير والقذف من رادع ينهي المسار المهني إلى مجرد كلفة تشغيلية يتم استيعابها ضمن نفقات المشروع الشخصي. الحالات المتكررة لمتابعة مؤثرين وصناع محتوى أمام المحاكم تكشف أن العائدات المالية المتحصلة من الضجيج الإعلامي المرافق للمحاكمات تتجاوز بكثير قيمة الغرامات والكفالات المفروضة مما يجعل خرق القانون ومواجهة المؤسسات خيارا اقتصاديا رابحا يرفع من القيمة التسويقية للمؤثر ويضاعف أرقام المتابعين بمجرد استعادة الحرية في إسقاط خطير لهيبة الردع القانوني أمام سطوة الأرقام والسيولة النقدية.

 

تتجاوز هذه الدينامية حدود الظاهرة المحلية لتكشف عن ارتباط عضوي ببنية الرأسمالية الرقمية العالمية التي تقودها شركات التكنولوجيا العملاقة مثل غوغل وفيسبوك ويوتوب وتيك توك. يعمل المؤثرون المحليون كتروس صغيرة في ماكينة ضخمة تديرها خوارزميات صممت بعناية لتفضيل المحتوى الصدامي والمثير للجدل لضمان بقاء المستخدمين أطول فترة ممكنة أمام الشاشات. تجني هذه الشركات العالمية العائدات الإعلانية الكبرى من وراء هذا النشاط تاركة الفتات لصناع المحتوى المحليين بينما تراكم شركات الاتصالات الوطنية أرباحا طائلة من استهلاك البيانات الذي يتضاعف طرديا مع كل أزمة مفتعلة أو ترند جديد مشكلة بذلك تحالفا غير معلن يستنزف الموارد المالية والنفسية للمجتمع.

 

يكشف هذا المشهد المركب عن مستقبل مقلق تتراجع فيه الإرادة البشرية الحرة أمام ذكاء اصطناعي موجه لاصطياد الغرائز وتوجيه السلوك الاستهلاكي حيث يتم هندسة الواقع الرقمي لخدمة مصالح الشركات الكبرى على حساب التماسك الاجتماعي والقيم المشتركة. تحول المواطن في ظل هذه المعادلة من فاعل يمتلك خياراته إلى مجرد مستهلك مخدر بجرعات الدوبامين يدفع من ماله ووقته لتمويل منظومة لا تبالي بانهيار المؤسسات أو تراجع قيمة العمل المنتج ما دامت مؤشرات النمو والأرباح تواصل صعودها المستمر في بورصات الاقتصاد العالمي.