فن وإعلام

المجلس الوطني للصحافة: ما وراء الوقائع

عبد الغفور دهشور ( فاعل حقوقي)

ماذا لو وضعنا كل الأشخاص والشخوص وكل الوقائع جانبا، ونظرنا إلى ما يجري بخصوص الصحافة في بلادنا ضمن سياق عام. تم نطرح، في النهاية، أسئلة لتحريض التفكير الجماعي.

 

قبل ذلك، لا بد من توضيح أساسي فيما يتعلق بتنظيم الصحافة وصيغه الممكنة والقائمة. إذ ما ينطبق، اليوم، في حالة بلادنا عبر المجلس الوطني للصحافة، هو صيغة التنظيم المشترك la Co régulation وليس التنظيم الذاتي l’autorégulation. هذا الأخير يهدف، عادة، إلى استبعاد القضاء والمشرع، أي تدخل طرف آخر في تقنين العمل الصحفي والبث في قضايا النشر، دفاعا على استقلالية المهنة وتحريرها من الضغوط لتقوية حيادها وتنوعها وتعددها. لكن، حينما تبحث الصحافة عن التنظيم المشترك، في سياقات محددة، فإنما تتغيا تنظيما أكثر مرونة من تنظيم الدولة، ولكنه أكثر رسمية من التنظيم الذاتي الخالص، وغالبا ما يكون ذلك للاستجابة بسرعة أكبر للمشاكل الناشئة وانسداد أفق التنظيم الذاتي.

 

 فهم ما يجري في سياقنا الوطني، يدعو إلى أخذ العناصر الأساسية التالية بعين الاعتبار لأنها باتت محددة بشكل كبير، لمسار ومآل التفكير في تنظيم مهنة الصحافة، من حيث الآليات والتشريع ، بل وممارسة التعبير والنشر بشكل عام : 

 

1. يعيش قطاع الإعلام والاتصال، بشكل عام، على وتيرة تطور تكنولوجي جد متسارع، أعاد النظر في كثير من خاصيات المهنة وقواعدها، وطرق إنتاج خطابها ونشره، وفتح الباب لدخول فاعلين جدد في هذا المجال من غير المهنيين، صحفيين ومقاولات (لا أعني، هنا، المتطفلين على المهنة وإنما شركات التكنولوجيا الرقمية العملاقةGAFAM ). في تساوق مع ذلك، تراجع موقع الصحافة المكتوبة، نشرا وتوزيعا واستهلاكا (كل الصحف المغربية مجتمعة لا تبيع أكثر من 15.000 نسخة في اليوم، أغلبها عبارة عن اشتراكات للإدارات والمؤسسات العمومية وبعض الشركات الخاصة التي تتبع الإعلانات الإدارية والمناقصات والصفقات العمومية). ورغم أن هذا الوضع ليس وليد الثورة الرقمية وإنما معطى بنيوي في بلادنا، فإنه فاقم مسار ضعف مقروئية الصحافة وسرع من وتيرتها قياسا بما كان في السابق؛

 

2. ما عاد القارئ قارئا وإنما تغير اسمه وأصبح "مستعمل" (usager) لتكنولوجيات الاتصال الحديثة، والتطبيقات الرقمية والأجهزة المعلوماتية المتصلة (smartphone , tablette) والولوج إلى المحتوى الرقمي. أي أن "القارئ" صار في قلب تحولات تقنية فرضت عليه تغيرات سوسيولوجية تبدت، أولا، في حجم ووتيرة استهلاكه للتكنولوجيا (81 مليون مشترك في الهاتف النقال بالمغرب..)، تم في تغير عادة القراءة لديه، ولم يعد يتصفح الجريدة في المقهى أو داخل سيارته وفي صالون بيته إلى جانب كوب قهوة. هو اليوم يتتبع الأخبار في هاتفه النقال متنقلا وجالسا. وغوغل هو من يقترح عليه ما ينبغي عليه أن يقرأه. هو لم يعد يختار، إذ لم تعد جاذبية الصفحة الأولى ( (la Une تمارس عليه تأثيرها، وما عاد انتماؤه وتعاطفه مع حزب الجريدة أو جريدة الحزب يقف أمامه كواجب أخلاقي تعاقدي، ليمارس اقتناء وقراءة الجريدة كطقس يومي، يجدد عبره الرباط الإيديولوجي مع الحزب والمنظمة، ويعبر عن دعمه السياسي لهما ثقافيا، أو انخراطه وثقته في خط واختيار تحريري مستقل؛

 

3. ساهم تعميم و"دمقرطة" تكنولوجيا التواصل وسهولة استعمال تطبيقاتها (كتابة، تصوير، تسجيل الصوت، المونتاج...) في دخول الجمهور إلى دائرة إنتاج الخبر. ولعل ذلك، هو أهم تغيير سوسيولوجي في هذا المجال. إذ أصبح الجمهور أهم فاعل في مجال الإعلام والاتصال. فالقارئ الذي كان في السابق يتصفح الصحيفة أصبح، اليوم، يكتب وينشر في البلوغ ( (blog، وتحول مستمع الراديو إلى منتج للبودكاست السمعي البصري، ومشاهد التلفزة أصبح ينتج الربورتاج والتحقيق بالصوت والصورة. أصبح الجمهور منتجا ومستهلكا للخبر في نفس الوقت. وكذلك معلقا وشارحا ومفسرا لما يجري. تغير موقعه وتحول إلى منتج مشارك co producteur، بل إن المادة الإخبارية تحولت إلى نص مفتوح، يتدخل الجمهور ليغير جزءا منه، ليؤكده ويغنيه أو ليفنده وينفيه، كل ذلك بمعطيات وأجناس صحفية مختلفة (ربورتاجات، مقابلات، تحقيقات)، مباشرة Live في غالب الأحيان؛

 

4. ومعنى ذلك، أن الصحفي فقد موقعه كوسيط (Médiateur) وفقدت تكنولوجيات الإعلام التقليدية (الجريدة، الإذاعة، والتلفزيون) موقعها كوسائط (Mediums) بين الجمهور والخبر. تحرر الجمهور من "القيود" التي كان يضعها الصحفي لاختيار من سيجري معه الحوار أو ينقل عنه أخباره، ويمنحه إمكانية الوجود في الصفحة والظهور على الشاشة والحديث على الأثير؛

 

5. هذا التحول في الموقع، سيدفع الصحفي إلى تغيير موقعه. اليوم، الخبر موجود في كل مكان، وأحيانا كثيرة بالمجان، كل الفاعلين يخبرون عما يقومون به (ترامب يصور نفسه ويكتب أخباره، ومثله سياسيون كثر..). مؤسسات تنشر أخبارا عن أنشطة رؤساءها ومدراءها، وعن تقاريرها، وخطط عملها، و...و.... نتيجة ذلك، إلى جانب الجمهور الصحفي، تحول الصحافي سابقا إلى محلل، شارح، معلق، مفسر للخبر حاليا.. تحول إلى بودكاستر Podcaster . تحول الصحافي، في غالب الحالات، إلى وسيط Medium بين الجمهور والخبر لكن من نوع آخر: يتلقى هو الخبر الذي لم ينتجه، تم يقدمه للجمهور في شكل تحليل وتفسير وتعليق، من زاوية نظره ووفق شبكته الخاصة للقراءة. ولعل ذلك، ما يؤشر على انتقالنا من نموذج صحافة الخبر information إلى صحافة التواصل communication. . ولعل ذلك ما يفسر عددا من التوترات والصراعات؛

 

6. وكما تحرر الصحافي من جمهوره السابق، فقد تحرر الجمهور، أيضا، من صحافييه. تحرر من المعايير التي كان يحرسها الصحفي المهني ويخضع لها كل محتوى، وعلى أساسها كان يميز بين ما هو "جدير" (digne) بالنشر والبث وما هو "غير جدير" بذلك. أصبح المجال مفتوحا. البعض يعلق على ذلك بكلمة واحدة ووحيدة هي "التفاهة". لكن التفاهة هي أيضا جديرة بالدراسة والتحليل، وإلا سيتحول هذا الموقف من التفاهة ومن كلمة التفاهة إلى مؤشر يفضح الكسل الفكري عند مردديها، في حين أنها هي من يجب اعتبارها، ولو كفرضية بحث واختبار، كأحد "الأعراض" والمؤشرات الدالة على أن شيئا ما يحدث، وعلى أن سيرورة معينة تجري أمام أعيننا ونحن لا نجد لها تفسيرا، كما سبقت الإشارة.

 

7. في مقابل هذه التحولات النوعية، التكنولوجية والسوسيولوجية، نطرح الأسئلة التالية، كإطار وكأفق للتفكير:

 

• أليس من الأجدر، التفكير في توسيع دائرة الحماية القانونية والضمانات القضائية لضمان الحق في التعبير والنشر لتشمل، في المقام الأول، الجمهور الواسع؟ وننتقل من النموذج الذي يربط حماية حرية التعبير والنشر بصفة الفاعل qualité (صفة الصحافي)، إلى نموذج شامل يربط هذه الحماية بالفعل نفسه Acte بدل الصفة، أي بممارسة التعبير والنشر، ليتمتع الجميع بهذا الحق. طبعا، لا يعني ذلك، الحرية المطلقة (لا وجود للحريات المطلقة)، بل التعبير وفق ضوابط مقبولة من الناحية القيمية والاجتماعية، ومشروعة من الناحية القانونية، وفعالة من الناحية العملية ومنصفة وعادلة من الناحية الديمقراطية؟

 

• هل لا زال من الممكن تنظيم مجال الإعلام والاتصال وإنتاج الخبر عبر آلية يقع أغلب الفاعلين في مجال إنتاج الخبر والتواصل، اليوم، خارج دائرة اختصاصها و"نفوذها"؟ بعدما تحول الصحافي المهني، الذي تنظم فعله هذه الآليات، إلى أقلية منتجة أمام أغلبية منتجة وموزعة ومؤثرة لا تعترف بمرجعيات المهنة ولا بأخلاقها ومعاييرها وشروط جودتها، رغم أنها تشكل، حاليا، أحد مصادر الخبر المهمة للصحفي نفسه؟

 

• وتأسيسا على ذلك، أليس من المفارقات تنظيم ممارسة مهنة الصحافة من طرف فاعلين ينتمون جميعهم إلى الصحافة المكتوبة، رغم وضعها المشار إليها، ورغم أن الأمر أصبح يعني "قطاعا مختلفا" بهذه الدرجة؟