سياسة واقتصاد

الأفضلية الأوروبية وإعادة تشكيل سلاسل الإنتاج.. ما الذي يعنيه ذلك للعلاقات التجارية بين المغرب والاتحاد الأوروبي؟

إدريس الفينة (باحث - خبير في الاقتصاد الجيوسياسي)

أعلنت المفوضية الأوروبية مؤخراً عن مقترح تشريعي يندرج ضمن توجه أوسع داخل الاتحاد الأوروبي يهدف إلى إعادة توطين جزء من الإنتاج الصناعي داخل الحدود الأوروبية وتعزيز ما يُعرف بـ «الأفضلية الأوروبية». ويأتي هذا التوجه في سياق عالمي يتسم بعودة السياسات الصناعية وحماية سلاسل التوريد بعد سلسلة من الأزمات التي كشفت هشاشة الاعتماد المفرط على الإنتاج الخارجي، بدءاً من جائحة كوفيد-19 مروراً بالحرب في أوكرانيا وصولاً إلى التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في عدد من مناطق العالم

في هذا الإطار، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تقوية قاعدته الصناعية وتقليص تبعيته لسلاسل التوريد البعيدة، خاصة تلك المرتبطة بآسيا. وتندرج هذه السياسة ضمن تحول عالمي أوسع، حيث تبنت الولايات المتحدة بدورها سياسات صناعية قوية لدعم إنتاجها الداخلي، كما تسعى الصين إلى تعزيز استقلالها الصناعي والتكنولوجي. وبالتالي فإن ما نشهده اليوم هو إعادة رسم لخريطة الإنتاج العالمي، حيث تتجه القوى الاقتصادية الكبرى إلى إعادة تنظيم سلاسل التوريد على أساس القرب الجغرافي والأمن الاقتصادي.

غير أن هذا التوجه الأوروبي لا يعني بالضرورة تهديداً مباشراً للعلاقات التجارية بين المغرب والاتحاد الأوروبي. فالمغرب يُعد أحد أهم الشركاء الاقتصاديين للاتحاد الأوروبي في جنوب المتوسط، كما يتمتع بوضع متقدم في إطار سياسة الجوار الأوروبية. وعلى مدى العقدين الماضيين، أصبحت العديد من القطاعات الصناعية الأوروبية مرتبطة بشكل وثيق بالقاعدة الإنتاجية المغربية، خصوصاً في قطاعات السيارات والطيران والنسيج والصناعات الغذائية.

في الواقع، ينظر صناع القرار في بروكسيل إلى المغرب بشكل متزايد باعتباره جزءاً من منظومة الإنتاج الأوروبية الموسعة، وليس مجرد شريك تجاري تقليدي. ويبرز هنا مفهوم القرب الصناعي أو “near-shoring” الذي يكتسب أهمية متزايدة في السياسات الاقتصادية الأوروبية. ويقوم هذا المفهوم على نقل جزء من الإنتاج إلى دول قريبة جغرافياً ومستقرة سياسياً ومرتبطة اقتصادياً بالسوق الأوروبية، وهو ما ينطبق بشكل كبير على الحالة المغربية.

أما فيما يتعلق باتفاقية التبادل الحر بين المغرب والاتحاد الأوروبي، فمن غير المتوقع أن يتم التشكيك في أساسها القانوني أو في جوهرها الاقتصادي، إذ تشكل هذه الاتفاقية أحد أعمدة الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين منذ أكثر من عشرين عاماً. غير أن التحولات الجديدة في السياسة الصناعية الأوروبية قد تؤدي إلى إعادة ترتيب الأولويات داخل بعض القطاعات الاستراتيجية، خاصة تلك المرتبطة بالتكنولوجيا والطاقات المتجددة وسلاسل التوريد الحساسة.

وفي هذا السياق، قد تكتسب اتفاقية Pan-Euro-Mediterranean (PEM) أهمية أكبر خلال المرحلة المقبلة، لأنها تسمح بتكامل سلاسل الإنتاج بين أوروبا ودول جنوب المتوسط من خلال قواعد منشأ مرنة تقوم على مبدأ التراكم الإقليمي. هذه الآلية تتيح للشركات توزيع مراحل الإنتاج بين عدة دول داخل الفضاء الأورومتوسطي مع الحفاظ على الامتيازات الجمركية، وهو ما يشجع على بناء سلاسل قيمة إقليمية أكثر تكاملاً. 

من هذا المنظور، يمكن القول إن التحدي الحقيقي بالنسبة للمغرب لا يتعلق ببقاء هذه الاتفاقيات أو اختفائها، بل بمدى قدرته على تعزيز اندماجه الصناعي داخل سلاسل القيمة الأوروبية. فالمغرب يمتلك اليوم عدداً من المزايا التنافسية المهمة، من بينها موقعه الجغرافي القريب من أوروبا، واستقراره السياسي، وتطور بنيته التحتية اللوجستية، إضافة إلى قاعدة صناعية آخذة في التوسع.

إذا تمكن المغرب من استثمار هذه المزايا وتعزيز جاذبيته للاستثمارات الصناعية الأوروبية، فإن التحولات الجارية داخل الاتحاد الأوروبي قد تتحول من مصدر قلق إلى فرصة استراتيجية. ففي عالم يتجه نحو إعادة تنظيم سلاسل الإنتاج على أساس القرب الجغرافي والأمن الاقتصادي، يمكن للمغرب أن يعزز موقعه كشريك صناعي رئيسي للاتحاد الأوروبي في جنوب المتوسط وكحلقة أساسية في منظومة الإنتاج الأورومتوسطية.

وبذلك، فإن مستقبل العلاقات التجارية بين المغرب والاتحاد الأوروبي لن يتحدد فقط من خلال الاتفاقيات القائمة، بل من خلال قدرة الطرفين على بناء نموذج جديد من التكامل الاقتصادي يقوم على الإنتاج المشترك وسلاسل القيمة الإقليمية، وهو ما قد يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الصناعي والاستثماري في السنوات المقبلة.