رأي

فطيمة فوزي: الديمقراطية كآلية.. والمواطنة كقيمة.. أيهما يؤسس للشرعية؟

لا يمكن مقاربة سؤال الشرعية السياسية دون استحضار التحولات التي عرفها النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة وهي المرحلة التاريخية الممتدة تقريبًا من سنة 1947 إلى سنة 1991 (وهي فترة انقسام العالم إلى معسكرين متقابلين بعد الحرب العالمية الثانية) والتي تميزت بصراع إيديولوجي وجيوسياسي (أي صراع بين منظومتين فكريتين واقتصاديتين مختلفتين حول كيفية تنظيم الدولة والمجتمع وصراع على مناطق النفوذ والهيمنة الاستراتيجية في العالم) بين المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة والمعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي دون مواجهة عسكرية مباشرة بينهما (بسبب توازن الردع النووي الذي جعل الحرب المباشرة مكلفة وخطيرة على الطرفين) بل عبر حروب بالوكالة وصراعات نفوذ سياسية واقتصادية وعسكرية في مناطق متعددة من العالم (مثل دعم كل طرف لحلفائه في نزاعات إقليمية) وبالتالي فقد شكلت نهاية تلك المرحلة لحظة إعلان انتصار النموذج الليبرالي الديمقراطي باعتباره أفقًا كونيًا للتنظيم السياسي (أي تقديمه كنموذج صالح لكل المجتمعات بغض النظر عن خصوصياتها التاريخية والثقافية).

غير أن هذا الإعلان لم يكن نهاية فعلية للصراعات والتناقضات كما روّج له بعض المنظرين (ومنهم فرانسيس فوكوياما الذي اعتبر أن الديمقراطية الليبرالية تمثل المرحلة النهائية لتطور الأنظمة السياسية البشرية) بل كان بداية لمرحلة جديدة اتسمت بتعميم الشكل الديمقراطي دون ضمان مضمونه الاجتماعي (أي اعتماد انتخابات ومؤسسات تمثيلية دون تحقيق عدالة اجتماعية حقيقية أو تقليص الفوارق الاقتصادية) وفي هذا السياق أصبحت الديمقراطية في كثير من البلدان تقتصر على آليات انتخابية ومؤسسات تمثيلية (كصناديق الاقتراع والبرلمانات والأحزاب) بينما ظلت اختلالات العدالة الاجتماعية وتفاوتات توزيع الثروة قائمة بل ومتفاقمة أحيانًا (بسبب استمرار بنيات اقتصادية غير متكافئة وهيمنة نخب محدودة على الموارد).

في هذا الإطار يطرح السؤال المغربي نفسه بإلحاح: هل نحن أمام أزمة ديمقراطية أم أمام أزمة مواطنة (أي هل الخلل في آليات الحكم والمؤسسات أم في ضعف المشاركة والوعي والثقة لدى المواطنين)؟ فالدستور ينص على مبادئ دولة الحق والقانون وعلى ربط المسؤولية بالمحاسبة وعلى سمو المواثيق الدولية (أي التزام الدولة باحترام القوانين والمؤسسات وخضوع المسؤولين للمساءلة وإعطاء الاتفاقيات الدولية مكانة متقدمة في التشريع الوطني) كما أن البلاد عرفت مسارًا انتخابيًا منتظمًا وتعددًا حزبيًا قائمًا (أي تنظيم انتخابات دورية ووجود عدة أحزاب سياسية) وبالتالي فإن البنية المؤسساتية تبدو مكتملة من حيث الشكل (من حيث توفر الهياكل القانونية والتنظيمية) لكن في هذا السياق تظل مؤشرات الثقة في المؤسسات ونسب المشاركة السياسية وتصورات الشباب حول جدوى العمل الحزبي والسياسي معطيات تكشف عن فجوة بين النص والممارسة (أي بين ما تنص عليه القوانين وما يشعر به المواطن في الواقع اليومي).

وبالتالي فإن التحدي لا يكمن فقط في تطوير القوانين أو تحديث الهياكل بل في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع (أي خلق علاقة تقوم على الشفافية والمساءلة والإنصات) فالمواطنة ليست مجرد صفة قانونية تمنحها بطاقة التعريف الوطنية (أي الانتماء الشكلي للدولة) بل هي شعور فعلي بالانتماء وإدراك بأن الحقوق مصونة وأن الواجبات متبادلة وأن المجال العمومي مفتوح للنقاش الحر والمساءلة (أي إمكانية التعبير والمشاركة دون خوف أو إقصاء).

وفي هذا السياق يبرز دور النساء والشباب باعتبارهم الفئة الأكثر احتكاكًا بتناقضات الواقع الاجتماعي (نظراً لتعرضهم المباشر لقيود سوق الشغل والهشاشة والإقصاء من مواقع القرار) فمن جهة تم تحقيق مكاسب قانونية مهمة على مستوى تمثيلية النساء في المؤسسات المنتخبة واعتماد مقاربات مندمجة للمساواة (أي تخصيص آليات لضمان حضور نسائي داخل الهيئات المنتخبة واعتماد سياسات عمومية تراعي النوع الاجتماعي) ومن جهة أخرى ما تزال الفجوة قائمة بين الحضور العددي والتأثير الفعلي في مراكز القرار (أي بين الوجود الرمزي والقدرة الحقيقية على صنع القرار) وبالتالي فإن إدماج النساء والشباب لا ينبغي أن يظل إجراءً تقنيًا مرتبطًا بالكوتا أو بلوائح انتخابية (أي مجرد تدبير عددي محدود زمنيًا) بل يجب أن يتحول إلى خيار استراتيجي يعيد تعريف مفهوم الشرعية ذاته (أي يجعل المشاركة الواسعة شرطًا أساسيًا لمشروعية السلطة).

في هذا الإطار تصبح المواطنة الفاعلة شرطًا لتجاوز الديمقراطية الشكلية (أي الانتقال من انتخابات دورية إلى مشاركة مستمرة في الشأن العام) فالمواطنة تعني المشاركة في صياغة السياسات العمومية والمساهمة في مراقبة تنفيذها والانخراط في النقاش العمومي عبر الأحزاب والنقابات والجمعيات ووسائط الإعلام (أي الحضور الدائم في الفضاء العمومي كفاعل لا كمتفرج) وبالتالي فإن الشرعية السياسية لا تستمد فقط من نتائج الانتخابات بل من جودة العلاقة اليومية بين السلطة والمجتمع (أي من مستوى الثقة والعدالة والإنصاف في الممارسة الفعلية).

وفي هذا السياق فإن الرهان المغربي اليوم لا يتعلق باختيار بين الديمقراطية والمواطنة بل بإعادة وصل ما انقطع بينهما (أي جعل كل منهما يغذي الآخر) فالديمقراطية دون مواطنين واعين تتحول إلى إجراء تقني (أي مسطرة شكلية بلا مضمون) والمواطنة دون مؤسسات ديمقراطية تظل مطلبًا أخلاقيًا غير مؤطر قانونيًا (أي قيمة نظرية دون ضمانات عملية) وبالتالي فإن بناء دولة قوية وعادلة يمر عبر ترسيخ ثقافة سياسية قوامها المساءلة والشفافية والمساواة الفعلية في الولوج إلى الحقوق (أي تكافؤ حقيقي في الفرص والخدمات والموارد).

إن الشرعية الحقيقية لا تختزل في صناديق الاقتراع بل تتأسس على شعور جماعي بالإنصاف والكرامة (أي إحساس المواطنين بأنهم شركاء فعليون في القرار) وفي هذا الإطار فإن أي مشروع إصلاحي لا يضع المواطنة في قلبه سيظل مشروعًا ناقصًا مهما بلغت درجة تقدمه المؤسسي وبالتالي فإن المستقبل السياسي يقتضي الانتقال من ديمقراطية الإجراء إلى ديمقراطية المعنى ومن مواطنة النص إلى مواطنة الفعل (أي من التنصيص القانوني إلى الممارسة اليومية الحية).