لم يكن سحب مشروع المرسوم بقانون المتعلق بإحداث لجنة إدارية لتسيير شؤون المجلس الوطني للصحافة حادثاً معزولاً أو مجرد تعثر تقني في مسار تشريعي، بل كان عنواناً لأزمة أعمق في تدبير قطاع يشكل أحد أعمدة البناء الديمقراطي. فالارتباك الذي رافق المشروع، وتضارب الروايات حول صياغته وسحبه، كشفا أن الخلل لم يكن في النص فقط، بل في الفلسفة التي تؤطر التعاطي مع الإعلام برمته.
سنوات من التعثر سبقت هذه اللحظة. مجلس منتخب كان يفترض أن يجسد التنظيم الذاتي للمهنة انتهى عملياً إلى التقزيم والتقبار، وسط صمت مريب من بعض أعضائه، وحديث متداول عن تعويضات لا يعرف الرأي العام معاييرها ولا تفاصيلها. غابت الشفافية، وغابت المحاسبة، وتحول الصمت إلى شبهة تواطؤ. وفي المقابل، تمدد نفوذ إداري غير منتخب، وأصبح القرار الفعلي يُصاغ خارج الإرادة المهنية، حتى في تفاصيل لا تعنيه مباشرة.
الندوة التي قُدمت باعتبارها لحظة تواصلية بدت، في نظر كثيرين، أقرب إلى مشهد استعراضي بحثاً عن خلاص فردي وحزبي. استدعاء ليلي، تعبئة سريعة، ومنصة خطابية توحي بأن الإعلام يُدار بإشارة، وأن الدعم والتشريع والبطاقة المهنية كلها أدوات بيد جهة واحدة. كان المشهد سوريالياً في رمزيته، لأنه لم يُطمئن بقدر ما عمّق الإحساس بأن المقاربة التشاركية جرى تجاوزها لصالح منطق التحكم.
لقد بدا أن الوزير، وأمام صمت داخل الأغلبية وتواطؤ بعض الأطراف، اختار دفع القطاع نحو مسار أخطر: تحويل الإعلام إلى وكالة أنباء حزبية تنطق باسمه، وتعيد إنتاج خطابه، وتُوظَّف كسلاح في مواجهة الجميع أو على الأقل في معاركه السياسية. هذا المنحى، إن صح توصيفه، لا يمس فقط باستقلالية المهنة، بل يضرب في العمق مبدأ التعددية الذي يقوم عليه المجال الإعلامي.
لكن المهنيين لم يصمتوا. الهيئات النقابية عبّرت بوضوح، وتنظيمات الناشرين أعلنت مواقفها، وفعاليات مستقلة أطلقت عرائض. أكثر من مائة زميل وزميلة يشتغلون في الإعلام الدولي وقعوا بيانات تنتصر للمهنة ولمؤسساتها. كانت هناك وقفات ورسائل واضحة تقول إن الجسم الصحافي حيّ، وإنه يرفض أن يُختزل في دور تابع أو أن يُدار بمنطق الولاء.
التجربة السياسية المغربية ليست جديدة على محاولات تطويع الإعلام. سبق لوزراء ومسؤولين أن اعتقدوا أن بإمكانهم إحكام القبضة وإعادة تشكيل المشهد وفق منطقهم. بعضهم سارت بذكره الركبان في زمنه، لكنهم جميعاً غادروا المشهد، وبقي الإعلام – رغم أعطابه – مساحة للنقاش والتعدد والاختلاف. لأن المناصب زائلة، بينما المهنة أبقى.
الإعلام ليس جهاز دعاية، ولا منصة تعبئة ظرفية، ولا مجالاً يُدار بمنطق الغلبة. هو فضاء عمومي يتنفس الحرية، ويراقب السلطة، ويعكس تنوع المجتمع. وحين يُختزل في خطاب واحد، يفقد معناه. وحين يُراد له أن يصبح وكالة أنباء حزبية، فإنه يقاوم بطبيعته، لأن جوهره قائم على التعدد لا على الاصطفاف.
القضية اليوم ليست صراع أشخاص، بل امتحان مؤسساتي حقيقي: هل يُعاد الاعتبار للتنظيم الذاتي عبر حوار شفاف ومحاسبة واضحة وتصحيح فعلي للمسار؟ أم يستمر منطق الهيمنة الذي أثبت التاريخ أنه لا ينتج استقراراً ولا إصلاحاً؟
سيبقى الإعلام ما بقي الإنسان باحثاً عن الحقيقة. وستبقى كل محاولات إخضاعه فصولاً عابرة في تاريخ أطول من كل الوزراء والأحزاب.






