فن وإعلام

خريطة 1846 ومعاهدة لالة مغنية: حين اعترفت أرشيفات باريس بحدود الإمبراطورية المغربية قبل اقتطاع أجزاء من أراضيها (الحلقة11)

أحمد الدافري (إعلامي)

تقتضي الموضوعية البحثية عند قراءة الجغرافيا السياسية لشمال إفريقيا في منتصف القرن التاسع عشر، التوقف عند منعرج عام 1844. لم يكن الصدام العسكري في معركة "إسلي" (Bataille d'Isly) مجرد حدث عارض، بل كان نقطة تقاطع بين استراتيجيتين: استراتيجية توسعية تسعى لتحديد معالم نفوذها انطلاقاً من إيالة الجزائر السابقة، وسياسة مغربية ارتكزت على روابط تاريخية وروحيّة تجاه المقاومة في المناطق المجاورة، وهو ما يفسره المؤرخ "بول أزان" (Paul Azan) في كتابه حول الأمير عبد القادر (انظر المرجع) برؤية تحليلية تربط بين الدعم العسكري للسلطان المولى عبد الرحمن بن هشام وبين الضرورات الجيوسياسية لتلك المرحلة.


وعند إخضاع معاهدة "لالة مغنية" (18 مارس 1845) للتحليل التقني، نلاحظ وجود تباين منهجي في صياغة بنودها فبينما اعتمدت المعاهدة معايير هندسية دقيقة لترسيم الحدود في القطاع الشمالي، اتسمت المقاربة في المناطق الجنوبية بنوع من "المرونة الإجرائية". وتبرز هنا الأهمية التوثيقية لنقطة "ثنية الساسي" (Thniet-el-Sassi)، وهي الممر الجبلي الذي كان "نقطة الفصل" الدبلوماسية.

فإلى حدود هذه النقطة (على مسافة تقارب 140 كيلومتراً من ساحل البحر)، تم وضع علامات حدودية ثابتة. وعند تجاوز "ثنية الساسي" جنوباً، تعمد المفاوض الاستعماري وقف الترسيم بدعوى طبيعة الأرض الصحراوية.


هذا الفراغ التنظيمي الذي بدأ من "ثنية الساسي" (Thniet-el-Sassi) هو ما توقف عنده القنصل البريطاني "جون دروموند هاي" في تقاريره المحفوظة بالأرشيفات اللندنية، معتبراً أن غياب الترسيم في تلك النقطة المفصلية سيفتح الباب مستقبلاً لتغيير المعالم الميدانية بعيداً عن ضوابط التعيين الثابتة، مما جعل من هذه الثنية "جداراً قانونياً" انتهى عنده الوضوح وبدأ خلفه الغموض الاستراتيجي.


إلا أن المعطيات الوثائقية الرسمية الصادرة عن الإدارة الفرنسية نفسها تقدم تشخيصاً أكثر دقة للواقع الترابي آنذاك. فبالرجوع إلى "الخريطة الرسمية للجزائر" الصادرة في أبريل 1846 عن "اللجنة العلمية" (Commission scientifique)، يجد الباحث مادة إحصائية وجغرافية بالغة الأهمية. 


إ"المذكرة التفسيرية" (Notice sur la carte) المرافقة لهذه الخريطة، والموقعة من طرف الخبيرين "كارييت" (Carette) و"وارنييه" (Warnier)، لا تقتصر على رسم الحدود، بل تقدم جرداً سوسيولوجياً دقيقاً للقبائل (Les Tribus) وتوزعها المجالي، وهي القبائل التي كانت تمارس سيادتها وتؤدي بيعتها وضرائبها خلف خطوط الترسيم المفترضة.


إن القيمة البحثية لهذه الوثيقة تكمن في استخدامها لمصطلح "الإمبراطورية المغربية" (EMPIRE DE MAROC) لتوصيف المجال الغربي بمداد واضح وصريح؛ وهو اعتراف إداري وعلمي بوجود صرح إمبراطوري سيادي ومكتمل الأركان، قبل البدء في عمليات إعادة التشكيل الحدودي اللاحقة. وبناءً عليه، فإن المقارنة بين هذه المعطيات العلمية لعام 1846 وبين الممارسات الميدانية اللاحقة، تكشف عن وجود فجوة بين "التوثيق العلمي الأولي" الذي أقر بحدود الإمبراطورية، وبين "الواقع التوسعي" الذي فُرض نتيجة تعمد عدم استكمال الترسيم التقني في نقطة "ثنية الساسي" وما وراءها.


بهذا المعنى، تظل وثائق عام 1846 مراجع أساسية لتحقيق واقع السيادة والمجال، لكونها تعكس الرؤية الفنية والمسح الميداني لخبراء تلك المرحلة تجاه الحدود الفعلية لهذا الصرح السياسي العريق قبل أن تطاله مقصات الاقتطاع المنهجي.


 المراجع التوثيقية لهذه الحلقة:

 Carette et Warnier, "Notice sur la carte de l'Algérie" (1846) & "Carte de l'Algérie par Tribus" - Bibliothèque Nationale de France .

 Paul Azan, "L'Émir Abd el-Kader 1808-1883".

 Comte H. d'Ideville, "Le Maréchal Bugeaud d'après sa correspondance intime et des documents inédits (1784-1849)", (Extraits sur la bataille d'Isly et les frontières marocaines).