اعتمدت الدبلوماسية المغربية في القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر قاعدة قانونية دولية دقيقة تزاوج بين "تأكيد السيادة" و"رفع المسؤولية الأمنية"، وهي الاستراتيجية التي تجلت بوضوح في المادة الثامنة عشرة (18) من معاهدة مراكش الموقعة عام 1767 بين السلطان سيدي محمد بن عبد الله وملك إسبانيا كارلوس الثالث. في هذه المادة، كان السلطان حاسماً في إبلاغ الجانب الإسباني بأن سيادته تمتد إلى ما وراء وادي نون، لكنه في الوقت ذاته حذر الصيادين الإسبان من النزول في تلك الشواطئ لكونها مناطق يصعب ضمان أمن الأجانب فيها، معلناً صراحة إخلاء مسؤولية الدولة المغربية عما قد يصيبهم من أذى على يد القبائل المحلية. هذا "التنصل من المسؤولية الأمنية" لم يكن إقراراً بقصور في السيادة، بل كان ممارسة ذكية لسيادة احترازية تهدف إلى تجريد القوى الأجنبية من ذريعة "حماية الرعايا" للتدخل العسكري أو إقامة مراكز ثابتة.
وعند انتقال الزمام إلى عهد السلطان المولى سليمان، جاءت معاهدة مكناس لعام 1799 لتعمق هذا التوجه القانوني عبر مادتها الخامسة والثلاثين (35). فمن خلال حصر رخصة الصيد في المنطقة الواقعة "شمال مرسى أكادير" حصراً، وضع المغرب حدوداً جغرافية واضحة لمجال نفوذه الإداري المباشر الذي يلتزم فيه بحماية الأجانب. إن هذا التحديد لم يكن مجرد تنظيم تقني لنشاط الصيد، بل كان "نطاقاً أمنياً" رسمه الوزير محمد بن عثمان المكناسي؛ فبقبول إسبانيا لهذا النص، كانت تعترف قانونياً بأن المناطق الواقعة جنوب أكادير هي مناطق سيادية مغربية مغلقة دبلوماسياً وأمنياً أمام النشاط الأجنبي. ومن هنا يبرز سر المناورة التي مارسها المترجم الإسباني باستبدال "أكادير" بمسمى "سانتا كروز" (سيدي إفني)، إذ كان يطمح لنقل "حد المسؤولية" إلى نقطة أعمق في الجنوب، مما يمنح إسبانيا مستقبلاً الحق في المطالبة بالتعويض أو التدخل بدعوى حماية رعاياها.
إن التحليل المقارن لهاتين المادتين يثبت أن الدولة المغربية لم تفرط يوماً في حوزتها الترابية، بل كانت تدير سيادتها على الأقاليم الجنوبية بلغة قانونية استباقية. لقد كان الخطاب المغربي الموجه للقوى الدولية آنذاك يرتكز على معادلة واضحة: الأرض مغربية والبيعة فيها قائمة، لكن أمن الرعايا الأجانب فوق تلك السواحل الصحراوية هو مسؤوليتهم الخاصة إن اختاروا المغامرة بالنزول فيها خارج النطاق المرخص له. هذه الحنكة في توزيع المسؤولية الدولية حالت دون تحويل "رخص الصيد" إلى بؤر استيطانية لعقود طويلة، وظلت الحصن القانوني الذي حَمى وحدة المملكة قبل اشتداد التكالب الاستعماري في العقود اللاحقة.
وهذا ما كان
المرجع التوثيقي:
🔹️معاهدة مراكش (1767)، المادة 18، الأرشيف التاريخي الوطني بمدريد.
🔹️معاهدة مكناس (1799)، المادة 35، الأرشيف التاريخي الوطني بمدريد.







