معاهدة مكناس 1799: كشف النوايا المبكرة لإسبانيا في استعمار الصحراء المغربية من خلال الاختلاف الجوهري في "المادة 35" بين النسختين المغربية والإسبانية
تعد معاهدة مكناس، الموقعة في 22 رمضان عام 1213 هجرية، الموافق لفاتح مارس 1799 ميلادية، وثيقة محورية في تاريخ العلاقات الدولية المغربية-الإسبانية، وهي تمثل امتداداً قانونياً وتطويرياً لمعاهدة مراكش لعام 1767 التي سبقتها.
نص هذه المعاهدة محفوظ في الأرشيف الرقمي الإسباني، وهي تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى أطرافها وسياقها الدبلوماسي. فقد أبرمت في عهد السلطان المولى سليمان، ومثّل الجانب المغربي فيها الوزير محمد بن عثمان المكناسي، بينما مثل الجانب الإسباني السفير المفوض، الملقب بالبشظور، "دون خورخي فرنسيسكو فريري" (Don Jorge Francisco Frere).
وقد استُهلت المعاهدة بالديباجة الرسمية التالية:
"بسم الله الرحمن الرحيم، لما قدم على حضرة مولانا أمير المؤمنين وسلطان المسلمين ملك المغرب مولانا سليمان أدام الله توفيقه وتأييده السفير الشهير البشظور مفوضا من قبل ملك اصبانية السلطان كارلوس الرابع بإقرار الصلح الواقع بين هاتين الدولتين سابقا وإثباته وإضافة أمور أُخر اقتضتها المصلحة للرعايا من الجانبين فأمر أمير المؤمنين وزيره الأطهر الشهير الأظهر الفقيه سيدي محمد بن عثمان بأن يأخذ في ذلك ويتفاوض مع البشظور المذكور وما يقع عليه الاتفاق ويحصل من بعد النظر فيه الوفاق يُكتب ويُرسم ويبقى ما اتفق عليه محفوظا ءامنا من الاختلال فيما بين الملكين ورعيتيهما على هدنة واضحة المسالك وصلح ءامن إن شاء الله من المعاصي والمهالك". بعدها نجد في نص المعاهدة عبارة: "ذكر الأمور المتوفرة بهذا البشظور المذكور" قبل المادة الأولى التي جاء فيها: "الأول: إقرار الصلح المتقدم على ما هو عليه وإثباته واعتباره وأن يُعمل به".
تضمنت المعاهدة بعد ذلك بنوداً تفصيلية لتنظيم المصالح المشتركة، وتبرز المادة الخامسة والثلاثون كأحد النصوص الجوهرية التي حددت النطاق الجغرافي للأنشطة الاقتصادية في السواحل الجنوبية. وقد جاء في النص العربي لهذه المادة ما يلي:
"الخامس والثلاثون: رعية الإصبنيول القاطنون بجُزُر كنارية وغير ما يأمر سيدنا لتلك السواحل من مرسى أكًدير إلى ما وراءها من جهة النرط (أي Norte الشمال) بأن يتركون تلك الرعية يصيدون السمك وغيره بالبحر وبحيث لا يلحقهم ضرر من المسلمين إن التجئوا إليهم".
يظهر من خلال هذا النص أن ممارسة نشاط الصيد كانت مرتبطة بترخيص سلطاني صريح وبحماية الدولة المغربية، مع تحديد دقيق لمجال التحرك يبدأ من مرسى أكادير باتجاه الشمال.
إن حصر حق الصيد في هذه المنطقة المحددة عكس حنكة تفاوضية من لدن الجهاز الدبلوماسي المغربي في تلك الفترة؛ فمن خلال هذا التحديد، رسم السلطان المولى سليمان حدود "المسؤولية الأمنية" للدولة المغربية تجاه الأجانب، ففي المناطق الواقعة شمال أكادير، كانت الدولة تبسط نفوذها الإداري المباشر، وبالتالي كان بإمكان السلطان أن يضمن سلامة الصيادين الإسبان بموجب "أمر سيدنا"، أما المناطق الواقعة جنوب أكادير، فقد ظلت في العرف الدبلوماسي المغربي مناطق سيادية خالصة ومغلقة أمام النشاط الأجنبي، حيث تعمد الجانب المغربي المسكوت عنها لرفع المسؤولية الدولية عن عاتق الدولة المغربية في حال وقوع حوادث اصطدام بين الأجانب وقبائل تلك السواحل البعيدة عن الرقابة المركزية آنذاك.
هذا التوجه لم يكن وليد لحظة توقيع معاهدة 1799، بل كان امتداداً لصرامة والده السلطان سيدي محمد بن عبد الله في معاهدة مراكش لعام 1767. ففي المادة 18 من تلك المعاهدة، كان السلطان واضحاً حينما صرح لملك إسبانيا كارلوس الثالث بأن السيادة على المناطق الواقعة وراء وادي نون جنوباً هي سيادة مغربية، لكنها مناطق يصعب ضمان أمن الأجانب فيها، حيث نصت المادة بوضوح على أن جلالته "يرفع يده" عن مسؤولية ما قد يقع للصيادين هناك، محذراً إياهم من النزول في تلك الشطوط. وبذلك، فإن معاهدة مكناس 1799 جاءت لتؤكد هذا "الخط الأحمر" السيادي، فمن خلال حصر الإذن في جهة الشمال انطلاقاً من أكادير، كان المغرب يقطع الطريق على أي محاولة إسبانية لتحويل "رخصة الصيد" إلى "حق في الاستيطان" أو التوغل في المناطق الصحراوية التي كانت تحكمها بيعة القبائل للسلطان بعيداً عن التدخل الأجنبي.
وقبالة المادة 35 بالعربية نجد المادة مكتوبة باللغة الإسبانية وفق الصيغة التالية:
.Artº. 35. Pesca.
A los Havitantes de las Islas Canarias y á toda clase de Españoles concede S. M. M. el Derecho de la Pesca desde el Puerto de Santa Cruz de Berberia al Norte
وترجمتها هي كما يلي: "المادة 35. الصيد. يمنح صاحب الجلالة المغربية لسكان جزر الكناري ولجميع فئات الإسبان حق الصيد من ميناء سانتا كروز دي بيربيريا باتجاه الشمال".
في نص المادة 35، نجد تبياناً اصطلاحياً لافتاً يكشف عن خلفيات استعمارية مبكرة.
فبينما يثبت النص العربي للمادة "مرسى أكادير" كحد جغرافي رسمي، وردت المادة في الصيغة الإسبانية لتمنح حق الصيد ابتداءً من ميناء "سانتا كروز دي بيربيريا" (Puerto de Santa Cruz de Berberia) باتجاه الشمال، وهي التسمية التي كان الإسبان يطلقونها آنذاك على منطقة سيدي إفني الحالية.
إن المقارنة التحليلية بين النصين تفيد بأن السيادة المغربية كانت هي المرجعية في منح هذه الحقوق، إلا أن الطرف الإسباني سعى عبر استبدال مسمى "أكادير" بمسمى "سانتا كروز" (سيدي إفني) إلى صناعة مسوغ قانوني للتمدد جنوباً في العقود اللاحقة.
هذا التفاوت المتعمد هو الذي استغلته إسبانيا لاحقاً للمطالبة بسيدي إفني كـ"حق تاريخي" مزعوم، مما يؤكد أن الأطماع الاستعمارية بدأت تُحاك خيوطها عبر التدليس في المصطلحات المترجمة قبل وقت طويل من الاحتلال العسكري، بينما ظل النص العربي حارساً للحدود السيادية الحقيقية للمملكة وللربط التاريخي الأصيل بين أكادير وما وراءها من أراضٍ صحراوية.
وهذا ما كان
المرجع التوثيقي:
🔹️الأرشيف التاريخي الوطني الإسباني (Archivo Histórico Nacional)، مدريد. قسم الدولة (Estado)، ملف رقم 4339. نص "معاهدة السلم والصداقة والملاحة والتجارة بين ملك إسبانيا وسلطان المغرب"، الموقعة في مكناس بتاريخ 22 رمضان 1213 هـ / 1 مارس 1799 م.






