سياسة واقتصاد

الصحافة بين قلق "السياسي" وحق المجتمع في المعرفة..

ميمونة الحاج داهي ( مدونة)

قرأت مقال محمد أوزين الذي اختار له سؤالا كبيرا: من يغتال الصحافة اليوم؟، ووجدتني، بدل البحث عن جواب مباشر، أميل إلى تأمل السياق الذي يُطرح فيه مثل هذا السؤال. لأن الأسئلة حين تصدر عن فاعل سياسي، لا تكون معزولة عن موقعه، ولا عن علاقته التاريخية بالصحافة كوسيط، وكقوة تأثير، وكفضاء حضور.

من حيث المبدأ لا يمكن لأي صحفي أن يعترض على إخضاع الممارسة الإعلامية للنقاش العمومي. فالصحافة، مثل السياسة، سلطة تمارس أثرا، وكل سلطة تحتاج إلى نقد. غير أن ما يستحق الانتباه، في هذا النوع من النقاش، ليس فقط مضمون النقد، بل اتجاهه أيضا: هل يتعلق الأمر بحماية قواعد المهنة، أم بإعادة تعريف موقعها؟

لقد تابعت مؤخرا أكثر من لحظة توتر بين فاعلين سياسيين ومنابر إعلامية. وأستحضر هنا، مثلا، خرجة عبد الإله بنكيران ضد أحد المواقع الصحفية، والتي عكست، في تقديري، صعوبة تقبل بعض السياسيين لفكرة أن الصحافة لم تعد مجرد وسيط ناقل، بل أصبحت فاعلا مستقلا يملك حق التقدير والنشر. وهي لحظة، بغض النظر عن الموقف منها، كشفت حساسية العلاقة بين الطرفين عندما تتجاوز الصحافة الدور المتوقع منها.

في هذا الإطار، يبدو لي أن جزءا من النقاش الحالي يتجاوز مسألة الأخلاقيات المهنية، ليلامس تحولا أعمق، تحولا في توازن العلاقة بين السياسة والصحافة. فقد اعتادت السياسة، تاريخيا، أن تستفيد من الصحافة كفضاء للانتشار وترسيخ الحضور. وهو أمر مشروع، لأن المجال العام يقوم على التفاعل بين الطرفين. لكن هذا التفاعل يصبح أكثر تعقيدا حين تكتسب الصحافة هامشا أوسع من الاستقلال، وحين تتصرف وفق منطقها المهني الخاص، لا وفق انتظارات الفاعل السياسي.

من هذه الزاوية، يمكن فهم حدة بعض المواقف الأخيرة، ليس فقط باعتبارها نقدا لممارسات صحفية بعينها، بل أيضا كتعبير عن توتر تفرضه مرحلة انتقالية، لم تستقر فيها بعد الحدود النفسية والرمزية الفاصلة بين المجالين.

ما أعتقد أنه يستحق التأكيد، هو أن الصحافة لا تؤدي وظيفتها حين تكون في موقع المواجهة الدائمة مع السياسة، كما لا تؤديها حين تكون في موقع التبعية. قيمتها الحقيقية تتجلى في تلك المسافة الدقيقة التي تتيح لها أن تكون قريبة بما يكفي للفهم، وبعيدة بما يكفي للرؤية.

ولعل السؤال الأجدر بالطرح اليوم ليس من يغتال الصحافة، بل كيف يمكن ترسيخ شروط استقلالها، بما يضمن حق المجتمع في إعلام مهني، ويضمن، في الآن نفسه، حق الفاعل السياسي في نقده، دون أن يتحول هذا النقد إلى محاولة ضمنية لإعادة رسم حدود هذا الاستقلال.

فالصحافة، في نهاية المطاف، ليست خصما للسياسة، ولا امتدادا لها. إنها مجال مواز، يلتقي بها أحيانا، ويختلف معها أحيانا أخرى. وهذا التوتر، حين يبقى داخل حدوده الصحية، لا يضعف المجال العام، بل يثريه..