فرضت الصواريخ الباليستية الإيرانية المتساقطة تحت وطأة الانفجارات المتكررة التي هزت العاصمة القطرية واقعا جيوسياسيا جديدا تجاوزت تداعياته الأمن العسكري لتضرب عمق العقيدة التحريرية لشبكة الجزيرة وتجبرها على إعادة ضبط بوصلتها السياسية قسرا. يكشف الرصد الدقيق للمحتوى الإخباري تحولا جذريا في تعاطي القناة مع الملف الإيراني وأذرعه في المنطقة بالتزامن مع شلل تام أصاب مرافق الدولة الحيوية تمثل في توقف حركة الملاحة الجوية والبحرية وتعليق إنتاج الغاز المسال وسط مخاوف جدية من أن يطول أمد الحرب وتتعقد مظاهرها لتتحول إلى كابوس اقتصادي وأمني يستنزف مقدرات الدوحة.
سادت نبرة انحياز واضحة للرواية الإيرانية وحلفائها خلال تغطية الأيام الأولى من المواجهة بين إسرائيل وطهران مدفوعة بحسابات سياسية دقيقة تتقاطع فيها الخصومة المعلنة مع حكومة بنيامين نتنياهو مع الرغبة في الانتقام لمقتل صحافيي الشبكة في غزة واستهداف مكتب حركة حماس. وظفت غرفة الأخبار حينها كل إمكانياتها لتلميع صورة الرد الإيراني وتصديره كفعل مقاوم مشروع يعيد التوازن للمنطقة بينما غضت الطرف عن التجاوزات الميدانية لحزب الله والفصائل الموالية لطهران باعتبارها جزءا من معركة مقدسة ضد الاحتلال الإسرائيلي تخدم الأجندة القطرية الرافضة للعربدة الصهيونية.
تبدل المشهد كليا بمجرد أن لوح الحرس الثوري الإيراني باستهداف دول الخليج وتجرأ على إرسال صواريخه لتعبر سماء الدوحة مهددة أمن الملاحة وسلامة المنشآت الحيوية للدولة الحاضنة التي وجدت نفسها أمام خسائر مليارية نتيجة توقف صادرات الغاز. أدرك صانع القرار في قطر أن التحالف التكتيكي مع طهران ومجاملة محورها إعلاميا لم يعد مجديا أمام العقلية التوسعية التي لا تميز بين العدو والصديق عند اشتداد الأزمات مما استوجب انقلابا فوريا في الخط التحريري يتماشى مع مقتضيات الأمن القومي القطري ويقدم المصلحة السيادية والاقتصادية على الشعارات العروبية أو الإسلامية المستهلكة.
يلاحظ المتابع للشاشة تراجع استضافة الأصوات المهللة للمحور الإيراني لصالح محللين وخبراء استراتيجيين يفككون المشروع الفارسي ويحذرون من خطورة الميليشيات الطائفية على استقرار المنطقة العربية. تلاشت السردية التي كانت تصف حزب الله بحامي الحدود اللبنانية لتحل محلها تقارير معمقة تحمل الحزب مسؤولية جر المنطقة إلى حرب مدمرة خدمة لأجندة طهران النووية وتتقاطع هذه المقاربة المستجدة بشكل مثير للريبة مع السردية الإسرائيلية التي طالما حذرت من الخطر الإيراني ليجد الإعلام القطري نفسه في خندق واحد مع تل أبيب بمواجهة عدو مشترك بات يهدد الجميع.
تؤكد هذه الانعطافة الجذرية سقوط خرافة الحياد الإعلامي والموضوعية المهنية أمام سطوة المال السياسي وحسابات البقاء للأنظمة الحاكمة حيث يتحول الإعلام في لحظات الخطر الحقيقي إلى مجرد أداة وظيفية تابعة للجهاز الأمني والدبلوماسي للدولة الممولة. تثبت الوقائع الملموسة أن السقف التحريري لأكبر المؤسسات الإعلامية لا يرسمه ميثاق الشرف الصحفي بقدر ما تحدده إحداثيات الصواريخ ومعادلات الردع العسكري التي تجبر المنابر العريقة على تكييف مبادئها وتغيير جلودها بما يضمن سلامة الممول واستمرار تدفق الموارد بعيدا عن أي اعتبارات أخلاقية أو مهنية مزعومة.






