ورغم أن فهم "سيكولوجية المستهلك" يعد ركيزة أساسية لأي استراتيجية تسويقية، إلا أن ضخامة المبلغ المرصود في ظل توفر أدوات تكنولوجية بديلة وأكثر دقة، يضع علامات استفهام كبرى حول كفاءة تدبير المال العام في القطاع السياحي.
ويرى منتقدو هذه الصفقة أن اللجوء إلى المكاتب الاستشارية الكلاسيكية بمبالغ فلكية أصبح "نمطاً متجاوزاً" في عصر البيانات المفتوحة. فالسائح المغربي الذي يختار إسبانيا أو تركيا يترك خلفه "أثراً رقمياً" لا يحتاج لمليوني درهم لفك شفرته؛ إذ تكفي جولة بسيطة في خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي لفهم محركات هذا الاختيار.
وفي هذا السياق، تفاعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي بسخرية لاذعة تعكس وعي الجيل الجديد بآليات الاقتصاد الرقمي. وقد لخص أحد النشطاء هذا التناقض في تدوينة واسعة الانتشار، أشار فيه إلى أن التكنولوجيا جعلت من هذه الدراسات المكلفة عبئاً غير مبرر.
إن المقارنة التي عقدها النشطاء، رغم طابعها الساخر، تحمل في طياتها حقيقة اقتصادية ثابتة. فاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة (Big Data) يتيح للمؤسسات الوصول إلى نتائج لحظية وأكثر مصداقية من استمارات البحث التقليدية، وبتكلفة لا تتجاوز 5% من المبلغ الذي رصده مكتب السياحة.
ويطرح هذا الوضع تساؤلات ملحة حول معايير الحكامة داخل وزارة السياحة والمكتب التابع لها، وعن الإصرار على الصفقات المكلفة في حين أن "صناعة البيانات" أصبحت متاحة وأقل تكلفة، كما يسائل جدوى التحول الرقمي الذي تقول الحكومة أنها تتبناه، إذا كانت المؤسسات لا تزال تعتمد على "شراء الورق" بملايين الدراهم، ناهيك عن ما إذا كانت هذه الدراسة ستسفر عن حلول واقعية تعيد السائح المغربي لتعزيز السياحة الداخلية، أم أنها ستنتهي كغيرها في أدراج المكاتب.
وأجمعت التعليقات على أن محاولة فهم سبب تفضيل المغاربة لتركيا وإسبانيا لا تحتاج لميزانية "فيلم سينمائي"، فالأسباب واضحة للعيان: تنافسية الأسعار، جودة الخدمات، وسهولة الحجز. وبدلاً من إنفاق 250 مليون سنتيم لتأكيد "المؤكد"، كان الأولى استثمار هذا المبلغ في تحسين البنية التحتية السياحية أو دعم أسعار الفنادق للمواطن البسيط، لعلّه يجد في بلده ما يجعله يصرف نظره عن إسطنبول وماربيلا.






