تمهيد: النظام الدولي بين القوة والشرعية
في عالم سريع التحولات، لم يعد الصراع على النفوذ مجرد مواجهة عسكرية أو سياسية، بل أصبح صراعًا على قدرة الدول على صياغة النظام الدولي نفسه. من هذا المنطلق، يبرز مجلس السلام الذي أنشئ بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 لسنة 2025 كأكثر من هيئة انتقالية لإدارة أزمة غزة. فهو أداة سياسية وأمنية واستراتيجية تعكس طريقة إدارة الولايات المتحدة لنفوذها العالمي في ظل رئاسة دونالد ترامب الحالية.
إن المجلس يمثل نقطة التقاء بين القوة التنفيذية الأمريكية والشرعية الدولية، حيث تسعى واشنطن لإعادة تثبيت مركز قيادتها ضمن منظومة متعددة الأطراف، مع الحفاظ على القدرة على التأثير المباشر في ملفات حيوية دون الدخول في صدام مباشر مع القوى الصاعدة.
أولا: مجلس السلام كأداة لإعادة هندسة القيادة الأمريكية
القراءة البنيوية لمجلس السلام تكشف بعدا أعمق من دوره الإداري الإنساني. فهو يعكس:
محاولة أمريكية لإعادة إنتاج الهيمنة بطريقة "ناعمة"، عبر مؤسسات أممية تضمن التغطية الدولية لقراراتها.
تحويل النفوذ الأمريكي المباشر إلى نفوذ ضمن أطر جماعية، ما يقلل من مقاومة القوى المنافسة ويمنح واشنطن قدرة أكبر على صياغة الحلول الدولية.
اختبار طبيعة العلاقة مع الحلفاء الغربيين، الذين لم يعودوا يقبلون القيادة الأمريكية بشكل أعمى، بل يتعاملون معها وفق مصالحهم الاستراتيجية.
بهذا المعنى، يصبح مجلس السلام أداة مزدوجة الوظيفة: إدارة أزمة إنسانية في الشرق الأوسط، وإعادة هندسة مركزية القيادة الأمريكية في النظام الدولي.
ثانيا: الموقف الغربي: بين الدعم الحذر وإعادة التقييم الاستراتيجي
الحلفاء الغربيون لعبوا دورًا محوريًا في تحديد فعالية مجلس السلام. التحليل التفصيلي يوضح:
الاتحاد الأوروبي: دعم المجلس مشروط بالتركيز على الشرعية الأممية وأفق سياسي طويل المدى، مع رفض تحويل المجلس إلى أداة لإعادة الهيمنة الأمريكية الأحادية.
حلف الناتو: تركز الدعم على البعد الأمني، إذ يهدف إلى منع فراغ استراتيجي في الشرق الأوسط ومنع تمدد القوى المنافسة، مع الحفاظ على استقرار الحلف.
هذا الموقف يعكس تحولا جوهريًا في طبيعة العلاقات الغربية الأمريكية: من تبعية مطلقة إلى شراكة حذرة ذات حسابات استراتيجية دقيقة.
ثالثا: الموقف الأوروبي
شكل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نموذجا للنهج الأوروبي في التعامل مع مجلس السلام. اتسم موقف الاخير بالموازنة بين الدعم الحذر واليقظة الاستراتيجية، حيث دعم المبادرة الأمريكية بشرط أن تتم إدارة المرحلة الانتقالية ضمن:
- إطار أممي يحافظ على التعددية في القرار ويضمن عدم استخدام المجلس لتعزيز النفوذ الأمريكي الأحادي.
- أفق سياسي طويل المدى يربط الاستقرار والإعمار بعملية سياسية شاملة تحمي الحقوق المشروعة للسكان وتقلل التوتر الإقليمي.
- توازن النفوذ الغربي والأمريكي لضمان ألا تتحول المبادرة الأمريكية إلى أداة لإقصاء الحلفاء الأوروبيين.
ويظهر دعم الرئيس الفرنسي للمبادرة الأمريكية من خلال حرص الأخيرة على الاحتفاظ بقدرتها على التأثير ومراقبة مسارات القرار، وهو ما يعكس تحولًا جوهريًا في طبيعة العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين. لم تعد القيادة الأمريكية مطلقة أو أحادية الجانب، بل صارت خاضعة لتدقيق الحلفاء وموازين القوى الاستراتيجية، مما يعكس إدراك واشنطن أن أي سياسة دولية فعّالة لم تعد ممكنة بمعزل عن التنسيق والتحالفات، وأن الحفاظ على النفوذ يتطلب مسايرة مصالح الشركاء ومراعاة التوازنات الإقليمية والدولية
رابعا: صعود الصين والبدائل الاقتصادية للهيمنة
في الخلفية، يشكل صعود الصين تحديا مركزيا للهيمنة الأمريكية التقليدية، الصين لم تعد مجرد قوة اقتصادية صناعية، بل أصبحت:
- فاعل نفوذ اقتصادي عالمي قادر على خلق بدائل للبنية الاقتصادية الدولية التي كانت تحتكرها واشنطن.
- مهندس مشاريع بنية تحتية عالمية تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأوروبا، ما يمنحها تأثيرًا جيوسياسيًا غير عسكري.
- قوة صاعدة تعيد توزيع النفوذ الدولي بهدوء، وتحد من قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها المطلقة في القضايا الاستراتيجية.
هذا الصعود يفرض على الولايات المتحدة إعادة التفكير في أدوات قيادتها العالمية، ويعزز الحاجة إلى التوازن بين الهيمنة الأمريكية والمنافسة الاقتصادية والسياسية للصين.
خامسًا: مجلس السلام كنموذج لتوازن القوة والشرعية
مجلس السلام يمثل اختبارًا عمليًا لكيفية موازنة القوة والشرعية في القرن الحادي والعشرين. فهو:
1- يعكس قدرة الولايات المتحدة على توظيف المؤسسات الدولية لإعادة تثبيت قيادتها.
2- يوضح حجم الضغوط الأوروبية والغربية على واشنطن لضمان إدارة متوازنة للأزمات.
3- يبرز أن إدارة الأزمات لم تعد مسألة قوة فقط، بل قدرة على صياغة قواعد اللعبة التي تتحرك داخلها جميع الأطراف.
سادسا: التحدي المستقبلي بين المركزية والتعددية
النجاح أو الفشل في مجلس السلام سيحدد:
- مدى قدرة الولايات المتحدة على تجديد أدوات هيمنتها عبر مؤسسات دولية.
- إمكانية القوى الصاعدة مثل الصين في فرض بدائل اقتصادية وجيوسياسية تؤثر على توزيع النفوذ.
- شكل النظام الدولي القادم، بين قيادة أمريكية متجددة متعددة الأطر، أو نظام متعدد المراكز يتقاسم فيه الفاعلون الكبار إدارة الأزمات وصياغة القرار العالمي.
خاتمة
مجلس السلام ليس مجرد هيئة انتقالية، بل مرآة للتغيرات العميقة في النظام الدولي، يظهر كيف يمكن للولايات المتحدة، تحت قيادة دونالد ترامب، إعادة تثبيت موقعها القيادي ضمن أطار الشرعية الدولية، بينما يوضح صعود الصين حدود المركزية الأمريكية ويعيد رسم قواعد النفوذ العالمي.
الموقف الأوروبي، بقيادة إيمانويل ماكرون، يبرز قدرة أوروبا على ضبط المبادرات الأمريكية مع الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، هذه المعادلة تؤكد أن النظام الدولي الحالي يتجه نحو تعدد مراكز النفوذ، حيث تصبح القدرة على صياغة قواعد اللعبة أهم من السيطرة المباشرة، ويتحدد مستقبل الهيمنة
الأمريكية وصعود الشرق وفق هذا التوازن الديناميكي.






