فن وإعلام

ثرثرة آخر الليل .. أوقفوا هذا العبث ..

سعيد الوزان (صحفي/تدوينة)

مع اقتراب كل موسم رمضاني، تتحول شاشاتنا الوطنية من منصات للإشعاع والتنوير الثقافي والارتقاء بالذوق الجمالي والفني للمشاهد إلى ما يشبه حلبات للتهريج الفج بكيفية يمكن القول إنها ممنهجة، حيث يجد المواطن المغربي نفسه محاصرا بين مطرقة سيتكومات باهتة وسندان دراما غارقة في التكرار والسطحية حد الابتذال والسخف. 

إن ما نشاهده اليوم في فضائنا المرئي العمومي ليس مجرد ضعف في الإبداع أو قصور في الرؤى الفنية المقدمة، بل هو تجل فاضح لأزمة أعمق تكاد تكون بنيوية، تبدأ من نص هزيل كتب على عجل، وتنتهي بإخراج يفتقر لأدنى المقومات الجمالية، وكأن صناع القرار في قنواتنا القطب العمومي يراهنون على "ألزهايمر" المشاهد الذي ينسى بسرعة، حتى إنه ينسى خيبات السنة الماضية والسخف المقدم له من خلال سيتكومات تفتقد للحد الأدنى للشرط الفني، ليتلقى خيبات السنة الحالية بصدر رحب.

المثير للاستغراب ليس فقط ضحالة المضمون، بل أيضا الإصرار الغريب على استنساخ نفس الأدوار وتكرار نفس الوجوه في كل القنوات والأوقات، بأشباه ممثلين تحولوا فجأة إلى "موظفين" في شركات إنتاج بعينها، يحتكرون المشهد ويحرمون طاقات شابة من البروز، والنتيجة هي "ملل بصري" يقتل أي رغبة في المتابعة.

ثم إن هذا الاحتكار الفني المكشوف يرافقه ابتذال لغوي صادم، حيث تسللت إلى بيوتنا في وقت الذروة ألفاظ سوقية وعبارات تخدش حياء الأسرة المغربية المجتمعة حول مائدة الإفطار، في محاولة يائسة لاستجداء ضحكة لا تأتي إلا عبر التنمر على العاهات أو استغلال اللكنات المحلية بشكل مهين.

إن ما يحدث هو "ضحك على الذقون" بكل ما تحمل الكلمة من معنى، إذ يظهر واضحا أن القنوات التي تمول من جيوب المغاربة، يبدو أنها تخلت عن دورها الرقابي والتربوي والتوعوي، تاركة الشاشة لقمة سائغة في يد تجار الفرجة وأغنياء منطق "الريع الفني" وشركات الإنتاج التي تثري لاهتة خلف الربح السريع، كل ذلك على حساب قيمة العمل الفني و جودته..

ولعل الطامة العظمى تكمن في التأثير المباشر لهذه "الرداءة" على الناشئة، فأطفالنا اليوم باتوا يحفظون "لازمات" لغوية منحطة ويرددون حركات بهلوانية مفرغة من المعنى، في غياب تام لأي لجنة تتبع تفرز الغث من السمين قبل أن يشاهد الملايين هذا العبث.

لقد حان الوقت لنتوقف عن تبرير الفشل بعبارة "الجمهور يريد ذلك"، فالجمهور المغربي ذكي، ذواق، ومتعطش لدراما تحترم عقله وقيمه. إن الاستمرار في إنتاج "الرداءة الموسمية" هو استهتار بالهوية الوطنية وإهانة للذوق العام، ولن يستقيم حال التلفزة المغربية إلا بقطيعة حقيقية مع الارتجال، وفتح الباب أمام المبدعين الحقيقيين الذين يملكون "الكلمة" و"الرؤية"، لا أولئك الذين يملكون فقط "العلاقات" ولديهم قدرات عجيبة على تهريج لا يضحك أحدا ..