نصيحة صادقة للسذّج الذين ما زالوا يعتقدون أن السياسة حقل زهور: لا تقرؤوا هذا المنشور… فالحقيقة قد تُسقطكم من نعيم القطيع إلى شقاء التفكير. علّمتني السياسة، لا كما تُدرس في كتب نيكولو مكيافيلي بل كما تُمارس في الأزقة الخلفية للأحزاب، أن المديح والسب وجهان لعملة واحدة اسمها “المصلحة”. من يلعنك صباحاً قد يرفع صورتك مساءً إذا تغير اتجاه الريح، لا لأنه اقتنع بك، بل لأنه اقتنع بأنك صرت سلّماً صالحاً للاستعمال. علّمتني الحزبية التي تصرخ بأعلى الشعارات عن المبادئ الخالدة، أنك لو أضرمت أصابعك العشرة شموعاً قرباناً للحزب، فإن أول هفوة، ولو كانت زلة لسان عابرة تكفي ليُقام لك حفل إعدام معنوي، ويُتلى عليك بيان البراءة الجماعية من “خيانتك”. في السياسة الحزبية، التضحية تُستهلك، ولا تُستحضر إلا كشاهد زور ضدك. علمتني التجربة الحزبية أن الانتهازية ليست انحرافاً طارئاً، بل مهارة أساسية في “السيرة الذاتية” للكثيرين. وأن الزحف على البطون يُسمّى مرونة، وتبديل المواقف يُسمّى قراءة جديدة للمرحلة، والكذب يُسمّى خطاباً سياسياً. أما الصادق، فيُعامل كحالة مرضية تحتاج إلى عزلٍ أو سخرية. علّمتني الحزبية أن من بقيت في قلبه ذرة شهامة أو نظافة يد، فعليه أن يدخل السياسة كما يدخل المستنقع: بحذاء طويل، وأنفٍ مغلق، واستعدادٍ دائم للانسحاب. فالعقلية الحزبية المتخشبة لدى بعض“المناضلين” ليست إلا بركة آسنة، يتنافسون فيها على من يغوص أعمق، ولو فقدوا كرامتهم في الطريق.أجل، تعلّمت دروساً لم أجدها في أعتى الجامعات: كيف يُباع الشعار في المزاد، كيف تُقايَض القيم بالمناصب، وكيف يتحول الإنسان، إذا لم ينتبه .. من فاعل سياسي إلى أداة في يد ماكينة لا تعرف سوى الطحن. ويا ليتني بقيت جاهلاً في السياسة ... فالجهل ببعض حقائق السياسة أرحم من وعيٍ يرى القذارة كل يوم ولا يملك إلا أن يكتب عنها كي لا يتهمونه بعدم الانضباط للتنظيم العتيد.
قضايا
الانتهازية ليست انحرافاً طارئاً بل مهارة أساسية في “السيرة الذاتية” للكثيرين
ابراهيم حيمي (تدوينة)






