وإذا كانت جمعية هيئات المحامين، ومعها مجالس الهيئات، قد اتخذت قرارًا بالتوقف عن تقديم خدمة الدفاع، فإن الساحة المهنية شهدت، من خلال وسائط التواصل الاجتماعي، تراشقات حادة، واتهامات متبادلة، بين العديد من أبناء المهنة الواحدة الذين يفترض أنها تجمعهم، وأن الزمالة توحدهم، وقد وصل ارتفاع منسوب العدوانية أحيانًا، إلى التخوين، والتوحش في التعامل مع الرأي الآخر، لا فرق في ذلك بين القدامى والجدد، فضلًا عن غيرهم.
حدث ذلك، في غياب تام للمؤسسات المهنية، التي لم يصدر عنها أي تنبيه للمحامين المسيئين، بالتزام قيم الشرف والكرامة، والمروءة والاحترام المتبادل، وهي قيم ينبغي أن تطبع سلوك المحامين سواء خلال أداء مهامهم أو خارجها، في الواقع أو المواقع.
إن مهنة المحاماة، كانت وينبغي أن تظل مهنة الشرف والكرامة، والنبل والعزة، وفضاء للحرية، التي ينبغي ضمانها لجميع المحامين، بقدر حماية حريات غيرهم.
كما أنه من الواجب حماية حقوق أبناء الدار، في الرأي والتعبير، مثل ما يجب ذلك لباقي الناس. فما بال البعض أصبح اليوم يضيق صدره بالمواقف المخالفة؟ وما بال البعض أصبح يسيء إساءات قبيحة في حق من يشاركونه البدلة، لمجرد تعبير عن الرأي الآخر، مهما كان هذا النوع من الآراء؟
إن الشرف والكرامة، اللذين أقسم المحامي على احترامهما، وإن العادات الجيدة، والتقاليد الراسخة، ليقتضيان:
أولًا، التأكيد على ضمان حق الغير في الاختلاف، دون استثناء، وخاصة فيما بين المحاميات والمحامين، مهما كانت حساسية المواضيع، وأهمية القضايا.
ثانيًا، التعبير عن المواقف بمسؤولية، واحترام للآخر، ومواجهة الرأي بالرأي، بعيدًا عن الإساءة والتنمر.
ثالثًا، إن من واجبات السادة النقباء، التأكيد على احترام الحق في الاختلاف، وعدم السماح بالتجاوزات السيئة، تحت أي مبرر.
وأخيرًا، نؤكد، بحكم التجربة والمعاناة، على صعد مختلفة، أن استفحال السلوكيات المنحرفة، كيفما كان نوعها، إذا لم تتم محاصرتها في حينها، ووضع حد لها إبان وقوعها، فإن دائرتها ستتسع، وستستفحل، وستكون النتيجة، لا قدر الله، وبالًا على الجميع.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله. والسلام.






